قائمة الموقع

“تحت الركام أسماء تنتظر قبوراً”.. حكاية الحاج حمادة وآلاف المفقودين في غزة

2026-04-25T09:48:00+03:00
الرسالة نت - خاص

في مساء الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان كل شيء ينتهي دفعة واحدة في منزل الحاج حمادة أبو سليمة، في منطقة تل السلطان بمدينة رفح. ضربة واحدة كانت كفيلة بأن تحوّل البيت إلى كومة من الركام، وأن تترك رجلاً وحيداً في خيمة، يلاحقه صوت النداء الأخير لعائلته.
اليوم، لا يطلب الحاج حمادة الكثير. لا يتحدث عن تعويض، ولا عن إعادة بناء، ولا حتى عن عودة الحياة كما كانت. كل ما يريده أمنية واحدة: أن يعود إلى مكان بيته، أن ينبش الركام بيديه إن استطاع، وأن ينتشل من تبقى من عائلته ليدفنهم بكرامة.
“رحلت زوجتي… رحل ابني فادي مع أبنائه وزوجته الحامل… رحلت ابنتي سجود مع زوجها وأطفالها، وكانت هي الأخرى حاملاً… رحل محمود ومحمد…”
يكرر الأسماء كما لو كان يخشى أن يبتلعها النسيان، أو أن تضيع بين أكوام الحجارة.
تمكّن من دفن أربعة منهم فقط. أما البقية، فظلوا تحت الركام—أشلاء لم يستطع جمعها. يقول بصوت متعب:
“كنت أظن أن الحرب ستنتهي سريعاً… أسبوعين أو ثلاثة، ثم أعود لأدفنهم. لكننا خرجنا من رفح… نزحنا… وطالت الغيبة.”
في خيمته، لا ينام الحاج حمادة بسهولة. كل ليلة، يعيد رسم المشهد ذاته في رأسه: البيت كما كان، ثم كما صار. يتخيل الجدران وهي تنهار، والأرض وهي تخفي تحتها أسماء يعرفها واحداً واحداً. لكنه لا يتخيل الموت بقدر ما يتخيل ما بعده—الانتظار الطويل بلا قبور.
يقول إن الحديث عن رفح قليل، وإن المدينة التي امتلأت بالحياة يوماً، صارت الآن تحت سيطرة الاحتلال، ومعها آلاف البيوت التي تخفي تحتها حكايات مشابهة.
“أنا لست الوحيد”، يهمس، “هناك كثيرون مثلّي… تحت كل ركام قصة، وتحت كل حجر إنسان لم يُدفن.”
لكن أكثر ما يؤرقه ليس فقط الفقد، بل المصير المجهول.
يتخيل الركام وهو يُزال من قبل قوات الاحتلال ويباع كما تقول الأخبار دون أن تُستخرج الجثامين، أو تُخلط العظام ببعضها البعض، أو تُنقل دون أن يعرف أحد إلى أين. فكرة أن تختلط عظام أبنائه وأحفاده بغيرهم، أو أن تضيع بلا أثر، تؤلمه أكثر من لحظة الفقد نفسها.
“كل ما أريده… أن أدفنهم”، يقولها ببطء، كأنها خلاصة حياته الآن.
في الحروب، يُقال إن الناجين محظوظون. لكن الحاج حمادة يقدّم تعريفاً مختلفاً للنجاة: أن تبقى حياً لتبحث عن موتاك… وأن يكون أقصى ما تتمناه، حفرة في الأرض، تحمل أسماء من أحببت.

وهناك الكثير من الأرقام المدفونة تحت الركام؛ فووفق ما أكده محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، فإن حجم المأساة يتجاوز ما يظهر إلى العلن، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 8 آلاف جثمان ما زالت تحت الأنقاض في قطاع غزة، إضافة إلى أكثر من 3 آلاف مفقود لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن. 
ويوضح بصل أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق مدمرة بالكامل، ونقص الإمكانيات اللازمة لعمليات البحث والانتشال، لافتاً إلى أن بعض الجثامين تحللت أو اختفت مع مرور الوقت. 
كما أن تقديرات سابقة كانت قد أشارت إلى إمكانية وصول العدد إلى نحو 10 آلاف جثمان تحت الركام، في مشهد يعكس عمق الكارثة الإنسانية، ويجعل من انتظار العائلات—مثل الحاج حمادة—رحلة مفتوحة على الألم، لا تنتهي إلا باستعادة أحبّتهم ودفنهم بكرامة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00