في مشهدٍ يعكسُ عبثيةَ المجتمع الدولي وازدواجيةَ معاييره، يتواصلُ نزيفُ الدم الفلسطيني في قطاع غزة، ليس فقط برصاص الاحتلال الغادر، بل بصمتٍ دوليٍ يُصنف في خانة التواطؤ الأخلاقي والقانوني. الاتفاقُ الذي رعاه الوسطاء وأعلنوا معه وقف إطلاق النار، تحول إلى هدنةٍ هشةٍ من طرفٍ واحد، حيث تواصل آلةُ الحرب الإسرائيلية خروقاتها، مستهدفةً بشكلٍ ممنهج أسسَ الحياة المدنية، وآخرُ فصولِها استهدافُ جهاز الشرطة المدنية الذي قُدِّمَ 27 شهيداً من عناصره قرباناً لأداء واجبهم في حفظ النظام العام.
إن استهداف عناصر الشرطة ليس حدثاً عابراً في سجل الخروقات الإسرائيلية، بل هو مؤشر خطير على سياسةٍ مدروسةٍ تهدف إلى تقويض بنية المجتمع الفلسطيني. فبموجب القانون الدولي الإنساني، يُعد جهاز الشرطة المدنية جهازاً محمياً، ولا يوجد أي مبرر لاستهداف عناصره أثناء قيامهم بواجباتهم في حفظ الأمن وتأمين الممتلكات. غير أن الاحتلال، الذي خبرَ اللعب على أوتار الفوضى، يسعى من خلال اغتيال رجال الأمن إلى خلق فراغٍ أمنيٍ متعمد، ليكون بمثابة غطاءٍ لتحريك خلاياه النائمة وعصابات العملاء المأجورة.
فما تشهده مناطق مثل الشيخ رضوان وخان يونس ليس إلا تطبيقاً عملياً لسيناريو الفوضى الخلاقة. فبعد استهداف نقاط الشرطة والمراكز الأمنية بشكل متكرر، تنشط عصابات مسلحة بدعم مباشر من جيش الاحتلال، تقوم بعمليات خطف المواطنين، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، ونهب المساعدات الإنسانية، في محاولة يائسة لضرب الثقة بين المواطن وأجهزته الأمنية، وصولاً إلى إشاعة الفلتان الأمني الذي يبرر للاحتلال استمرار تدخلاته تحت ذرائع واهية.
في هذا السياق، يبرز تخاذل المؤسسات الدولية، التي يجب أن تقوم بواجبها في حماية المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، لا سيما في ظل اتفاق وقف إطلاق النار الذي تدّعي رعايته. الصمت الدولي لم يعد مجرد حالة من اللامبالاة، بل تحول إلى غطاء سياسي يشجع الاحتلال على التمادي في جرائمه. إن هذا التواطؤ الضمني يُفسح المجال لاستمرار مسلسل الخروقات اليومية التي وصلت إلى 2400 خرقاً منذ توقيع الاتفاق، مخلفةً 738 شهيداً وآلاف الجرحى، في مشهد دموي يفضح زيف الوعود الدولية.
ولعل الصورة الأوضح لهذه المؤامرة المزدوجة تجلت في المشهد المهيب الذي جمع بين استهداف مسيرة إسرائيلية لدورية شرطة قرب مركز الشيخ رضوان، وبالتوازي مع ذلك، تدخل مباشر لجيش الاحتلال لتأمين انسحاب مجموعات العملاء عبر قصف المنطقة وتوفير غطاء ناري كثيف. هذا التناغم بين العصابات الإجرامية وجيش الاحتلال يؤكد أن استهداف الشرطة ليس مجرد خروقات عسكرية، بل هو جزء من استراتيجية أمنية شاملة تهدف إلى تحويل القطاع إلى ساحة فوضى تبرر التدخل العسكري المستمر.
ختاماً، لا يمكن فصل جرائم استهداف الشرطة المدنية عن المخطط الإسرائيلي الكبير لإجهاض أي تسوية سياسية وإبقاء قطاع غزة تحت الابتزاز العسكري. إن إمعان الاحتلال في هذه الجرائم، وسط صمت المنظمات الدولية وغياب ضغط من الوسطاء على الاحتلال الإسرائيلي، يضع علامات استفهام حول جدوى الاتفاقيات التي لا تحمي المدنيين. لقد آن الأوان أن يتحرك الضمير العالمي لردع هذا العدو الغاشم، فـ27 شهيداً من رجال الأمن الذين سقطوا وهم يحمون مجتمعهم، هم شهداء واجب، ودماؤهم ستلعن كل صمتٍ متواطئ.