في غزة، لا يمكن النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مجرد عملية ترميم لما دمرته الحرب، بل كاختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على النهوض من واحدة من أعمق الأزمات في تاريخه. فالمسألة لم تعد إنسانية فقط بل تحولت إلى معادلة اقتصادية معقدة تتداخل فيها كلفة الدمار مع فرص إعادة البناء وبينهما فجوة زمنية ومالية خطيرة.
الأرقام هنا ليست مجرد مؤشرات بل تعكس حجم التحدي، تقديرات دولية حديثة تشير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى 71.4 مليار دولار خلال عقد، مع حاجة عاجلة إلى 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرا.
في المقابل، بلغ حجم الأضرار 35.2 مليار دولار والخسائر الاقتصادية 22.7 مليار دولار بينما انكمش الاقتصاد بنسبة 84%، وهو رقم كفيل وحده بتفسير حجم الانهيار في النشاط الإنتاجي.
لكن الأثر الأعمق يظهر في التفاصيل، تضرر نحو 371 ألف وحدة سكنية وتعطل أكثر من نصف القطاع الصحي وتراجعت التنمية بما يعادل 77 عاما.
ومع نزوح 1.9 مليون شخص وفقدان 60% من السكان لمنازلهم، يصبح الحديث عن التعافي الاقتصادي دون إعادة إعمار شاملة أمرا غير واقعي.
من وجهة نظر اقتصادية، كل تأخير في إطلاق مشاريع الإعمار يعني تضخما في الكلفة المستقبلية وتآكلا في فرص الاستثمار واستمرارا في نزيف سوق العمل.
لذلك، فإن ضخ أكثر من 20 مليار دولار خلال أول عامين ليس رفاهية، بل ضرورة لتثبيت الأساس الذي سيُبنى عليه أي تعافٍ لاحق.
غير أن التمويل وحده لا يكفي، فنجاح الإعمار مرتبط بثلاثة عناصر حاسمة، وهي فتح المعابر بكفاءة وضمان تدفق المواد الخام وتفعيل سلاسل الإمداد.
دون ذلك، ستتحول مليارات الدولارات إلى مشاريع متعثرة أو متوقفة، كما أن إشراك القطاع الخاص المحلي ليس خيارا ثانويا بل شرط أساسي لإعادة تشغيل المصانع وخلق فرص عمل مستدامة.
إعادة إعمار غزة، بهذا المعنى، هي فرصة لإعادة تعريف الاقتصاد نفسه وليس فقط إصلاحه. فإذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة اللوجستية المناسبة، يمكن تقليص سنوات الإعمار وتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر مرونة.
في النهاية، التحدي ليس في ضخ الأموال فقط بل في كيفية إدارتها، فبين أرقام ضخمة تتجاوز 70 مليار دولار وواقع اقتصادي منهك، يبقى السؤال الأهم هل تستثمر هذه اللحظة لإعادة بناء اقتصاد قادر على الصمود أم تهدر في مسار بطيء يطيل أمد الأزمة؟