قائمة الموقع

مقال: المليشيات العميلة داخل “الخط الأصفر”: كيف يسعى الاحتلال لفرض واقع أمني بديل في غزة

2026-04-22T19:11:00+03:00
الباحث في الشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة

تشهد مناطق ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”  التي يسيطر عليها الاحتلال في قطاع غزة تصاعدًا لافتًا في تحركات المليشيات العميلة ، في مشهد لا يمكن تفسيره كحالات متفرقة أو سلوك عشوائي، بل كجزء من استراتيجية أمنية ممنهجة يقودها الاحتلال بهدف إعادة تشكيل البيئة الداخلية لصالحه وفرض واقع جديد قائم على الفوضى .

هذه التحركات تأتي في توقيت حساس يتقاطع مع الضغوط الإسرائيلية المتزايدة المرتبطة بملف نزع سلاح المقاومة،  هو ما يعزز فرضية أن ما يجري هو محاولة لخلق بيئة داخلية مهزوزة تُستخدم كورقة ضغط سياسية وأمنية في آن واحد على المقاومة الفلسطينية.

اللافت في سلوك هذه المليشيات هو انتقالها من العمل المحدود إلى محاولات إظهار الوجود والتنظيم والقدرة على الفعل الميداني خارج الخط الأصفر، خاصة في مناطق النزوح الهشة. فهي لم تعد تكتفي بجمع المعلومات أو تنفيذ مهام محدودة، بل باتت تتحرك ضمن مجموعات منظمة موجهة من الاحتلال استخباريا وعسكريا، تستخدم أدوات مركبة تبدأ بالتغلغل الناعم عبر توزيع السجائر والمعلبات لجذب المدنيين، ولا تنتهي عند استخدامهم كدروع بشرية لتأمين تحركاتها وتعقيد استهدافها. هذا النمط يعكس تحولًا نحو فرض “حضور قسري” داخل الاطراف الرخوة في القطاع، في محاولة لتكريس صورة مفادها أن هناك قوة بديلة قادرة على الحركة والتأثير.

في هذا السياق، تكشف محاولة التخريب التي أُحبطت داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح عن مستوى خطير من التصعيد. فالمخطط لم يكن مجرد عمل تخريبي، بل عملية مركبة تضمنت نية اختطاف جرحى ومصابين من داخل منشأة طبية، واستخدام مدنيين كغطاء بشري، مع وعود بتوفير غطاء جوي من الاحتلال لتأمين التنفيذ. هذا التطور يشير إلى أن المليشيات العميلة باتت تستهدف مفاصل إنسانية حساسة، في محاولة لكسر الخطوط الحمراء وضرب الشعور بالأمان داخل أكثر الأماكن حساسية في المجتمع.

التحركات الأخيرة من داخل “الخط الأصفر”، تحولت إلى ساحة اختبار ميداني لفعل قد يكون اكبر في قادم الايام ، نظرًا لما تعانيه مذه المناطق من ضعف في  البنية الأمنية نظرا لقربها من الاحتلال، وهو ما يمنح هذه العصابات مساحة للمناورة. وقد تجلى ذلك في رصد تحركات ميدانية لمجموعات مسلحة حاولت تنفيذ أعمال تخريبية تحت غطاء توزيع مساعدات شكلية، قبل أن يتم استهدافها ميدانيًا، في مشهد يؤكد وجود تنسيق مباشر مع الاحتلال، خاصة مع تدخل الطيران لتأمين انسحابهم، ما يكشف بوضوح طبيعة الغطاء الذي تتحرك تحت مظلته هذه المجموعات.

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن حوادث الخطف والترويع التي طالت مدنيين في مناطق شرق غزة، حيث تحاول هذه العصابات فرض سطوة أمنية قائمة على الترهيب، مستفيدة من الظروف الإنسانية الصعبة، وهو ما يعكس سعيًا واضحًا لتحويل بعض المناطق إلى بيئات رخوة يمكن التحكم بها أمنيًا واجتماعيًا.

تحمل هذه الأنماط من السلوك رسائل متعددة، أبرزها محاولة إثبات القدرة على الاختراق والوصول إلى عمق المجتمع، وخلق نموذج “أمن بديل” قائم على الفوضى، إلى جانب الضغط باتجاه نزع سلاح المقاومة، فضلًا عن خلط الأوراق بين المقاومة والفوضى الداخليه لتشويه البيئة الحاضنة، وتمهيد الطريق لأي تدخل عسكري لاحق تحت ذرائع أمنية.

غير أن البعد الأخطر في هذا المشهد يتمثل في استهداف المجتمع ذاته، حيث لم يعد المدني مجرد متضرر من هذه العمليات، بل أصبح أداة يُراد توظيفها في الصراع، سواء عبر استخدامه كدرع بشري أو استغلال ظروفه المعيشية لاستقطابه أو الضغط عليه. وهنا تتجلى طبيعة المعركة الحقيقية التي لم تعد تقتصر على البعد الأمني التقليدي، بل تمتد إلى عمق النسيج الاجتماعي.

في المقابل، أثبتت الأحداث الأخيرة أن الوعي المجتمعي والتماسك الداخلي يشكلان عنصرًا حاسمًا في مواجهة هذه الظاهرة، حيث ساهمت يقظة المواطنين والتعاون مع الجهات الأمنية في إحباط مخططات خطيرة وكشف عناصر متورطة. كما يبرز دور لجان الأحياء والعائلات كخط دفاع أول في سد الفراغات ومنع تحول بعض المناطق إلى بيئات حاضنة للفوضى.

في المحصلة، ما يجري داخل “الخط الأصفر” ليس مجرد نشاط لعصابات منفلتة، بل هو جزء من الصراع مع الاحتلال الذي يسعى من خلال هذه الأدوات إلى فرض نموذج قائم على الوكلاء والفوضى وتآكل الثقة الداخلية، كمدخل لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية. إلا أن إفشال هذا المخطط يبقى مرهونًا بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، ووعيه بطبيعة هذه الحرب، ورفضه أن يكون ساحة بديلة يُعاد تشكيلها وفق أجندات خارجية.

اخبار ذات صلة