تشهد الضفة الغربية تصعيدا متسارعا على المستويين الميداني والسياسي، في ظل تواصل حملات الاقتحام الإسرائيلية لعدد من المدن والبلدات، وما يرافقها من اعتقالات وإصابات وتخريب واسع في الممتلكات والبنية التحتية.
ويعكس هذا التصعيد واقعا أمنيا متفجرا، يتقاطع مع تحولات أعمق تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديموغرافي في المنطقة.
وفي موازاة العمليات العسكرية تتصاعد اعتداءات المستوطنين بشكل لافت، حيث تستهدف القرى والتجمعات الفلسطينية بحماية مباشرة من قوات الاحتلال، ما يعكس نمطا متكررا من الدعم الميداني الذي يسمح باستمرار هذه الهجمات دون محاسبة فعلية. ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم معاناة السكان خاصة في المناطق الريفية والمهمشة.
بالتوازي مع ذلك، تتسارع الخطوات الإسرائيلية نحو تكريس الضم الفعلي للضفة الغربية، من خلال سياسات ممنهجة تشمل توسيع الاستيطان وتعزيز البنية التحتية في المستوطنات وربطها بشبكات الكهرباء والمياه، في مؤشر واضح على الانتقال من الطرح السياسي إلى فرض سيادة ميدانية تدريجية على الأرض.
اقتحامات وهجمات
وعلى الأرض، تواصل قوات الاحتلال تنفيذ حملات اقتحام شبه يومية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، تتركز في مدن مثل جنين ونابلس ورام الله، حيث تنفذ عمليات دهم واعتقال تطال عشرات الشبان، إلى جانب اندلاع مواجهات تؤدي إلى وقوع إصابات بين الفلسطينيين.
كما تترافق هذه العمليات مع تخريب متعمد للمنازل والمحال التجارية والبنية التحتية، ما يزيد من الضغوط المعيشية على السكان.
وفي السياق ذاته، تتزايد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، حيث تشمل إحراق الممتلكات والاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في ظل وجود قوات الاحتلال التي توفر الحماية لهذه الاعتداءات.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التواطؤ الميداني يكرس واقعا خطيراً، يهدف إلى دفع السكان الفلسطينيين نحو الرحيل القسري عن أراضيهم.
أما سياسيا، تعكس تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين توجها واضحا نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بشكل تدريجي، حيث لم تعد هذه الطروحات تقتصر على الخطاب السياسي، بل بدأت تأخذ طابعا تنفيذيا عبر خطوات ميدانية ملموسة، تشمل التوسع الاستيطاني وتعزيز السيطرة على الموارد والبنية التحتية.
ويبرز استخدام البنية التحتية كأداة استراتيجية في هذا السياق، حيث تعمل السلطات الإسرائيلية على ربط المستوطنات بشبكات الكهرباء والمياه والطرق، ما يعزز من اندماجها في المنظومة الإسرائيلية، ويصعب في المقابل أي إمكانية لفصلها مستقبلا ضمن أي تسوية سياسية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان وتكثيف إقامة البؤر الاستيطانية.
وفي قراءة للمشهد، يشير الخبير في قضايا الجدار والاستيطان جمال جمعة إلى أن ما تشهده الضفة الغربية لم يعد مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل يمثل تصعيدا منظما يأخذ طابع "المواجهة الشاملة" التي تستهدف فرض واقع جديد على الأرض.
ويوضح أن ما يجري في بلدات مثل المغير شرق رام الله يعكس نموذجا واضحا لهذا التوجه، حيث تتعرض هذه المناطق لهجمات متكررة تهدف إلى إنهاك السكان ودفعهم نحو الرحيل.
ويضيف أن هذه الهجمات لا تقتصر على الاعتداءات الجسدية، بل تشمل أيضا استهداف مصادر رزق السكان، من خلال سرقة المواشي وتخريب الأراضي الزراعية ومصادرتها، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الاقتصادية للسكان المحليين.
ويرى أن هذه السياسات تسعى إلى خلق بيئة طاردة للحياة، تمهيداً للسيطرة الكاملة على الأرض.
ويؤكد أن الجماعات الاستيطانية تلعب دورا محوريا في تنفيذ هذه الاستراتيجية، حيث تعمل كأداة متقدمة لفرض السيطرة الميدانية، في حين تسعى السياسات الإسرائيلية إلى عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، وتحويلها إلى مناطق منفصلة ومحاصرة، تفتقر إلى مقومات الاستمرار.
وفي السياق ذاته، يلفت جمعة إلى أن التوسع الاستيطاني يجري بوتيرة متسارعة، تشمل إعادة إحياء مستوطنات قديمة وتوسيع البؤر القائمة، في إطار سباق لفرض حقائق جديدة قبل أي تحرك سياسي دولي.
ويشير إلى أن مناطق شمال الضفة، وخاصة محافظة جنين، تشهد مشاريع ربط استيطاني تهدف إلى فصلها جغرافياً عن باقي المناطق الفلسطينية.
وقائع جديدة
من جهته، يرى الناشط في مقاومة الاستيطان بشار القريوتي أن ما يجري يتجاوز كونه توسعا استيطانيا تقليديا، ليعكس تحولا نوعيا في الاستراتيجية الإسرائيلية، يقوم على تسريع فرض الوقائع على الأرض خلال فترة زمنية قصيرة.
ويشير إلى أن هذا التوجه يستفيد من انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، ما يتيح هامشا أوسع للتحرك دون ضغوط فعالة.
ويضيف أن إقامة مستوطنات داخل مناطق ذات كثافة فلسطينية، خاصة في شمال الضفة، تهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى مناطق معزولة، ما يقوض أي إمكانية لقيام تواصل جغرافي متماسك بين المدن والبلدات.
كما يلفت إلى أن التركيز على إنشاء البنية التحتية قبل استقدام المستوطنين يعكس جدية التنفيذ وسرعته، حيث يؤدي ذلك إلى فرض سيطرة فعلية على الأرض حتى قبل البناء السكاني، ما يسرّع من عمليات المصادرة ويخلق واقعاً يصعب تغييره لاحقاً.
ويحذر القريوتي من أن هذه السياسات قد تفتح المجال أمام توسع ظاهرة الجماعات الاستيطانية المسلحة، خاصة في المناطق النائية، ما يزيد من حدة التوتر ويؤدي إلى تصعيد خطير في المواجهات مع الفلسطينيين.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة مفصلية، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المشاريع السياسية، في مشهد يعكس تصعيدا شاملا قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على مستقبل القضية الفلسطينية.