تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مع استمرار القيود المفروضة على حركة المعابر، وعلى رأسها معبر رفح البري، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لسكان القطاع نحو العالم الخارجي.
وفي ظل الإغلاق المتكرر أو الفتح الجزئي المحدود، يجد آلاف المرضى والجرحى أنفسهم عالقين في دائرة الانتظار، وسط تدهور خطير في أوضاعهم الصحية.
ورغم الإعلان عن تفاهمات لتسهيل حركة السفر، إلا أن الواقع على الأرض يعكس صورة مغايرة، حيث لا تتجاوز أعداد المرضى المغادرين في أفضل الأحوال 30 مريضا يوميا، وهو رقم لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يضاعف من معاناة المرضى.
مرضى يعانون
في هذا السياق، تتزايد التحذيرات من كارثة صحية وشيكة مع استمرار تراكم قوائم الانتظار، وغياب أي حلول جذرية تضمن انسياب حركة المرضى والطلبة والمسافرين.
ويؤكد مسؤولون ومختصون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية.
بدوره، يقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إن أكثر من 22 ألف مريض وجريح في قطاع غزة بحاجة ماسة للسفر لتلقي العلاج في الخارج، في ظل عدم قدرة المنظومة الصحية المحلية على التعامل مع الحالات المعقدة والخطيرة.
ويضيف أن من بين هؤلاء، هناك 19 ألف حالة استكملت كافة الإجراءات الرسمية وحصلت على تحويلات طبية، لكنها لا تزال عالقة بانتظار السماح بالمغادرة، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
ويشير الثوابتة إلى أن معاناة السفر لا تقتصر على المرضى فقط، بل تمتد لتشمل فئات أخرى، من بينها أكثر من 1000 طالب وطالبة حُرموا من الالتحاق بجامعاتهم في الخارج، رغم استيفائهم لجميع المتطلبات وحصولهم على قبولات جامعية رسمية. ويؤكد أن هذا الواقع يهدد مستقبل جيل كامل ويزيد من حالة الإحباط داخل المجتمع الغزي.
وفيما يتعلق بحركة السفر، يوضح الثوابتة أنه تم تسجيل مغادرة 3,150 مسافرا فقط من أصل 11,600 شخص كان من المفترض تسهيل حركتهم بناءً على التفاهمات المعلنة.
ويشدد على أن الوتيرة الحالية للسفر لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيعني استغراق سنوات لمعالجة قوائم الحالات المتراكمة، ما لم يحدث تغيير جوهري وفوري في آلية عمل المعابر.
من جانبه، قال المتحدث باسم الهلال الأحمر في قطاع غزة رائد النمس إن الإغلاق المتقطع لمعبر رفح يفاقم المخاطر على حياة المرضى والجرحى، خاصة في ظل محدودية أعداد المغادرين خلال فترات فتح المعبر.
وأوضح أن آلية اختيار الحالات للسفر تتم بالتنسيق بين وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، وفقاً لدرجة الخطورة، بدءا من الحالات الأشد وصولا إلى الأقل خطورة، إلا أن هذه الآلية تبقى مقيدة بعدد محدود من الموافقات.
وأضاف النمس أن الجهة الإسرائيلية تتحكم في تحديد الأعداد المسموح لها بالسفر، حيث تمنح الموافقات وفق اعتبارات خاصة بها، وهو ما اعتبره أمرا مرفوضا في ظل الاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وأكد أن هذا التحكم يعرقل جهود الطواقم الطبية ويزيد من معاناة المرضى الذين ينتظرون فرصتهم في العلاج خارج القطاع.
وفي السياق ذاته، أشار إلى استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية داخل غزة، لافتا إلى أن الطواقم الطبية تبذل جهوداً كبيرة لتلبية الاحتياجات ضمن الإمكانات المحدودة.
كما كشف أن نحو 350 مريضا من أصحاب الأمراض المزمنة يواجهون صعوبة في الحصول على أدويتهم، بالتزامن مع نقص في لقاحات الأطفال، ما يزيد من تعقيد المشهد الصحي ويستدعي تدخلا عاجلا.
حصار مشدد
بدوره، أكد المتحدث الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية حماس حازم قاسم أن إسرائيل تواصل تشديد الحصار على قطاع غزة عبر إغلاق المعابر والتحكم في دخول المساعدات وأعداد المسافرين.
وأوضح أن إغلاق معبر رفح يتزامن مع تقييد كبير في إدخال المساعدات، حيث لم يتم الالتزام بالأعداد المتفق عليها من شاحنات الإغاثة، بل تم إدخال أقل من نصفها.
وأشار قاسم إلى أن هذه السياسات تندرج ضمن ما وصفه بـ"هندسة التجويع"، والتي تنعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة معاناة السكان.
كما لفت إلى استمرار الخروقات العسكرية، بما في ذلك القصف وسقوط ضحايا، ما يعمق الأزمة الإنسانية في القطاع.
وأضاف أن ما يجري يمثل سياسة ممنهجة تتطلب موقفا حقيقيا من الوسطاء والدول الضامنة، داعيا إلى ضرورة التدخل الفوري لوضع حد لهذه الممارسات ورفع الحصار عن قطاع غزة، خاصة في ظل استمرار المعاناة منذ سنوات.
وفي تطور ميداني، أعلنت هيئة المعابر والحدود في غزة، الاثنين الماضي، إغلاق معبر رفح بشكل كامل، ما أدى إلى توقف حركة إجلاء المرضى إلى الخارج.
وأكدت الهيئة أن هذا الإغلاق تسبب في تعطيل سفر مئات الحالات الحرجة التي كانت تنتظر المغادرة، ما يزيد من احتمالية تدهور أوضاعها الصحية.
ومنذ إعادة فتح المعبر لفترات محدودة، تمكن نحو 700 مريض فقط من مغادرة القطاع لتلقي العلاج، فيما لا يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي، وفقا لوزارة الصحة في غزة، ويعكس هذا الرقم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الفعلية والإجراءات المتاحة.
ويعد هذا الإغلاق امتدادا لسلسلة من الإغلاقات السابقة التي طالت معبر رفح، حيث تم إغلاقه لفترات طويلة في أوقات مختلفة، ما أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من المسافرين، خاصة المرضى والطلبة وأصحاب الحالات الإنسانية.