في ساعاتٍ متوترة من يومٍ دامٍ في بلدة المغير، شرق رام الله، تصاعدت الأحداث سريعًا. هجومٌ جديد، حالة من الفوضى، ومواجهات اندلعت بين الأهالي والمعتدين، وسط إطلاق نار كثيف.
في تلك اللحظات، كان الشاب جهاد أبو نعيم بين أبناء بلدته، يحاول، كما غيره، حماية المكان الذي ينتمي إليه. لم تكن المواجهة متكافئة، وانتهت بسقوطه شهيدًا، ليلتحق بسلسلة طويلة من الضحايا الذين دفعتهم ظروف عنف الاحتلال واجرامه في القرى الفلسطينية إلى قلب الخطر.
بعد ساعات من استشهاده، لم يخرج بيان رسمي ولا خطاب طويل ليحكي قصته، بل خرج صوت أبٍ مكسور. كلمات قليلة كتبها والد جهاد، لكنها حملت ما لا تحمله تقارير كاملة. لم يتحدث فقط عن لحظة الفقد، بل عن ما سبقها: عن انتظارٍ دام خمسة عشر عامًا لطفلة لم تولد بعد، وعن شهرٍ واحدٍ كان يفصل جهاد عن رؤيتها.
في رسالته، بدا الأب وكأنه يحاور ابنه لا يرثيه. تساءل إن كان عليه أن يبكيه أم يزفه، بين ألم الفقد وفخر الحكاية. تحدث عن وجعٍ كبير، لكنه حاول أن يسنده بصبرٍ يشبه صبر الناس من حوله. استعاد صورة ابنه كما يريد أن تبقى: شابًا كان يدافع عن أبناء قريته، لا مجرد اسمٍ في قائمة الضحايا.
وفي ختام كلماته، لم يجد الأب ما يكفي من اللغة. اختصر كل شيء بجملة واحدة تقريبًا: أن الكلمات انتهت، ولم يبقَ سوى الدعاء له بالرحمة. هكذا، تحولت رسالته إلى مرآة لحكاية أكبر؛ حكاية أبٍ فقد ابنه، وبلدةٍ ما زالت تعيش على إيقاع الخطر، ووداعٍ لا يشبه أي وداع.
وهناك في بلدات الضفة واقعٍ آخر آخذ في التصاعد؛ تحت براثن الاحتلال وعنجهية مستوطنيه؛ فمنذ بداية العام، سُجّل استشهاد أكثر من 200 فلسطيني في الضفة، بينهم عدد من الأطفال، في ظل تزايد الاقتحامات والاعتداءات. كما وثّقت مؤسسات حقوقية ما يزيد عن 1,200 اعتداء نفذها مستوطنون خلال أشهر قليلة، شملت إحراق منازل ومركبات، والاعتداء على الأهالي وممتلكاتهم.
وفي القرى الصغيرة مثل المغير، حيث لا توجد حماية حقيقية، يتحول كل يوم إلى احتمال مواجهة. ومع تسجيل آلاف الإصابات واعتقال المئات، تبدو الحياة هناك معلّقة بين لحظتين: هدوء مؤقت، وانفجار مفاجئ.
هكذا، لا تنتهي الحكاية عند استشهاد جهاد، بل تمتد لتصبح رقمًا جديدًا في سجل طويل من الخسارات، ثم تتكرر الأسماء، وتتبدل الوجوه، ويبقى المشهد ذاته: قرى تواجه وحدها، وأسر تودّع أبناءها، وواقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.