استُشهد الطفل أوس النعسان، 13 عامًا، برصاصةٍ مباشرة أصابته خلال هجوم مستوطنين على قرية المغير شرق رام الله، في الحادي والعشرين من أبريل/نيسان 2026، ليُغلق موته دائرة بدأت قبل سبع سنوات، حين وقف طفلًا أمام جسد والده الممدد، يحاول أن يفهم معنى الغياب.
لم يكن أوس طفلًا عابرًا في هذه الحكاية. قبل سنوات، تعرّف على الموت مبكرًا، ليس من خلال الحكايات، بل من خلال مشهدٍ مباشر لا يُنسى. رأى الدم، ولم يفهمه، لكنه حفظه. ومنذ ذلك اليوم، كبر وهو يعرف أن الفقد لا يحتاج إلى مقدمات، وأن النهاية قد تأتي دون إنذار.
في يوم استشهاده، لم يكن هناك ما يميّز الصباح عن غيره. القرية التي اعتادت القلق كانت تمضي يومها كالمعتاد، قبل أن يتحول كل شيء فجأة. هجوم جديد، إطلاق نار، وصراخ يتداخل مع صوت الرصاص. سقط أوس كما سقط والده من قبل، لكن هذه المرة لم يكن هناك متّسع لأن يقف طفل آخر ليرى المشهد من الخارج.
أوس، نجل الشهيد حمدي النعسان، عاش يتمه كحقيقة يومية، لا كذكرى بعيدة. لم يكن الغياب بالنسبة له فكرة، بل تجربة مكتملة، عرف تفاصيلها وهو في سنٍ مبكرة. واليوم، أصبح اسمه جزءًا من القائمة ذاتها التي كبر وهو يراها تتسع.
تأتي حادثة استشهاده ضمن تصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026، حيث سُجلت عشرات الهجمات التي نفذها مستوطنون، وأسفرت عن سقوط شهداء وإصابات في عدة مناطق. في قرية المغير، لم يكن هذا الهجوم الأول، بل حلقة جديدة في سلسلة تتكرر، تحمل الوجوه ذاتها، وتُعيد المشهد ذاته بأسماء مختلفة.
يقول أحد سكان القرية: “نحن لا نعدّ الأيام هنا… نعدّ المرات التي ننجو فيها.” في مكان كهذا، لا يكون الخوف استثناءً، بل حالة مستمرة. الأطفال لا يتعلمون فقط القراءة والكتابة، بل يتعلمون أيضًا كيف يميّزون أصوات الرصاص، وكيف يحتمون، وكيف يحفظون أسماء من غابوا.
قصة أوس امتداد لحكاية أطول من عمره. طفل رأى الموت، كبر وهو يحمله، ثم أصبح جزءًا منه. الدائرة لا تُغلق، بل تتسع، وفي كل مرة يُضاف اسم جديد.
لم يكن أوس بحاجة لأن يتعلم معنى الموت مرتين، لكنه في هذه الأرض لم يُمنح خيارًا آخر. مبكرًا تعرّف عليه، ومبكرًا أيضًا… صار اسمه.