تونس – الرسالة نت
مازالت الاحتجاجات الشعبية تهز شوارع تونس منذ عدة اسابيع حيث تمحورت بمعظمها في العاصمة لتمتد خلال اليومين الماضيين إلى العديد من المدن الأخرى. وقد بلغت حصيلة هذه المواجهات بين آلاف المحتجين ورجال الأمن ما يربو على 21 قتيلاً حتى الآن بحسب الأرقام الرسمية في حين ذكرت مصادر نقابية مقربة من المتظاهرين أن العدد قد فاق الـ50 قتيلاً.
وكانت هذه الإضطرابات قد بدأت على شكل احتجاجات اجتماعية مطلبية على خلفية أزمة البطالة وغلاء أسعار تعيشها البلاد وحالة فساد مستشرية تندد بها المعارضة ومنظمات غير حكومية. وبذلك تحول ما تعانيه تونس من أزمة اقتصادية – إجتماعية إلى مواجهة سياسية – شعبية.
سياسة الترغيب والترهيب الذي انتهجتها الحكومة التونسية إزاء المتظاهرين لم تجد نفعاً حتى الآن. فالقمع الذي أستخدمت فيه الهراوات والغازات المسيلة للدموع والإعتقال ومن ثم الرصاص الحي، واجهه المتظاهرون في الشوارع من دون وجل. وكذلك فإنّ إعلان رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي اقالة وزير الداخلية رفيق بلحاج قاسم واستبداله بالاستاذ الجامعي احمد فريعة، لم يؤت أكله.
كما أنّ قرار السلطات إطلاق سراح جميع المعتقلين منذ بداية هذا التحرك الشعبي، بدا غير فعّال في الحد من الاندفاع الشعبي نحو الشوارع وإن واكبه تشكيل لجنة للتحقيق حول الفساد الذي كان السبب الرئيسي للإحتجاجات.
في هذا الإطار أفادت مصادر خاصة من قلب العاصمة التونسية أنّ الإضطرابات التي اندلعت قبل يومين بشكل عنيف ما زالت مستمرة وتشهد توسعاً وسط هلع الأهالي والتونسيين اللذين أكدوا أنهم لم يألفوا هذه المشاهد في بلادهم.
وقد افاد أحد سكان العاصمة الذي يقطن منطقة سيدي حسين أنّ إطلاق الرصاص لا يزال يسمع في مناطق مختلفة من العاصمة حيث يستمر اطلاق النار حتى ساعة متأخرة من الليل مما يؤشر إلى تواصل المواجهات بين المتظاهرين من جهة وبين القوى الأمنية من جهة أخرى والتي تقوم بقمعهم وبالتحديد في منطقة باب الجديد وفي وسط العاصمة التي تحولت إلى بؤرة من اللهب.
ونفت هذه المصادر بشكل تام وجود سلاح وأكدت في الوقت عينه أنّ المتظاهرين كانوا عزلاً تماماً خصوصاً أن حمل السلاح بالنسبة للمدنيين هي مسألة غير مألوفة في البلاد.
وفي نفس السياق، أكدت هذه المصادر أن الغاية من اطلاق النار والرصاص الحي بشكل عشوائي ومستمر هو تخويف المحتجين وتفريقهم وإثارة الرعب لدى السكان.
وأشارت المصادر أن أكثرية الأهالي لم يغادروا منازلهم منذ يوم الإثنين بعد ان توقفت كل المرافق والمؤسسات العامة والخاصة عن العمل، في ظلّ شلل تام للعاصمة طال كذلك جميع المدن الكبرى. وحالياً لا يزال عدد كبير من الشباب يتظاهر وبشكل متواصل في وسط المدينة. ومما زاد مأساة الأهالي سوءا هو حظر التجوّل الذي فرضته السلطات من الساعة الثامنة مساءّ وحتى الخامسة والنصف فجراً.
ووفق نفس المصادر، فإن دماراًَ كبيراً لحق بالمرافق العامة وكذلك المؤسسات المختلفة في العاصمة وخصوصاً المصارف والبلديات والمعتمديات المحلية (أي المحافظات)، وأخذ هذا التخريب في الغالب شكل حرائق متعمدة من الشبان الغاضبين الملثمين.
وبالرغم من أنّ هذه الأعمال قد وصفت بأنها تخريبية ولا يجوز القيام بها لأنها تضرّ بالبلاد، فإن المصادر التونسية رأت في الوقت عينه بأنّ هذه الأعمال جاءت للتعبير عن الوضع المتردي الذي يعاني منه الشباب التونسي والذي يثير إستياءه. وتصف لنا هذه المصادر كيف خرج الكثير من المتظاهرين للتعبير عن رأيهم ربما للمرة الأولى في الشوارع وهم مازالوا يخشون من سطوة القوى الأمنية.
واعتبرت تلك المصادر أن إمتداد المظاهرات والاحتجاجات لمدن أخرى بخلاف العاصمة مثل مدن دغاش ودوز في الجنوب التونسي وتالة والقصرين في الشمال الغربي، إنما هو دليل على أن المحرك وراء هذه الأعمال هو الحالة الاقتصادية - الاجتماعية التي يعاني منها الشعب. كما أنّ مقتل الأستاذ الجامعي حاتم بن الطاهر، وهو مدرس في كلية العلوم، برصاص البوليس (راجع الفيلم المرفق)، خلال اشتباكات في مدينة دوز، قد أجج من هذه الحالة هناك، وجعل الإجراءآت الحكومية للتهدئة غير مجدية.