لا يختلف اثنان أن كرة القدم تجمّع البشر حول مبادئ الأخلاق الرياضية ولا تفرق بينهم حسب العرق أو الدين أو اللون، غير أن هذه المبادئ والمفاهيم الناصعة أفسدتها النفوس الجشعة في إدارات الأندية المتحكمة في رقاب اللاعبين، خاصة عند تعرضهم لإصابات تبعدهم عن مستواهم المعهود في المستطيل الأخضر.
تلك المبادئ الناصعة نجدها أمرًا طبيعيًا في أروقة الأندية المحترفة حول العالم، التي تحترم لاعبيها، غير أنها فُقدت في قطاع غزة الذي تُصنَّف بطولاته تحت فئة "الهواة"، فقد أثبتت الوثائق والوقائع أن أنديته تتعامل مع لاعبيها كأنهم "مجرد سلعة".
فاللاعب في غزة تتلقفه الأندية حال تألقه في الملاعب وتبرم له أحسن العقود، في حين ترميه عند تعرضه لإصابة حرجة وتتخلى عن مسؤولياتها في تأمين مصروفات علاجه، التي كفلتها كل الأعراف والأخلاق الرياضية، وتضرب بالعقد المبرم بينهما "عرض الحائط".
ولنا في قصة اللاعب مازن المدهون النجم السابق لنادي التفاح (ضمن أندية الدرجة الأولى في القطاع) أبرز مثال، لا سيما أنه أحد أبرز اللاعبين الذين عانوا مؤخرًا من الإصابة التي أنهت مسيرته الكروية، رغم أنه يبلغ من العمر "31 عامًا" ولا يزال قادرًا على العطاء، إذ كان قبل الإصابة ركيزة أساسية في صفوف ناديه، ويلعب باستمرار في جميع المباريات، ناهيك بقيمته الكبيرة.
لكنه بعد الإصابة بكسر مضاعف في القدم بأحد لقاءات دوري الدرجة الأولى، تغيَّر كل شيء، إذ تخلى عنه النادي تخليًّا مُهينًا، لدرجة أنه لم يتواصل معه أحد من إدارته عقب نهاية الموسم، فإضافة إلى أنه لم يحصل على راتبه فقد حُرم كذلك حقه في العلاج.
هذا الأمر أغضب اللاعب كثيرًا، ما دفعه لكتابة قصته عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ليحصل على عبارات دعم ومواقف مساندة له من كافة أبناء الوسط الرياضي في قطاع غزة، في حين غاب ناديه (التفاح) عن ذاك الدعم، فبدلًا من أن يستجيب لمطالب المدهون بالعلاج، زاد من تعقيد الأمر وهدده بخصم جزء من مستحقاته المالية المتراكمة، ليضطر اللاعب إلى السكوت من أجل كسب جزء من المال لاستكمال علاجه.
ويعاني اللاعب حاليًا من آلام شديدة وصعوبات في المشي والنوم، وقد نصحه الأطباء بالخضوع إلى جراحة ثانية في القدم، لإزالة البلاتين المثبّت، إضافة إلى العشرات من جلسات العلاج الطبيعي، حتى يستطيع أن يعود إلى ممارسة جزء من حياته اليومية الطبيعية، خاصة أنه شاب عاطل عن العمل، ولا يملك من المال ما يجعله قادرًا على توفير حياة كريمة لعائلته المكونة من 4 أفراد.
قصة المدهون ليست الوحيدة التي تبيّن انتهاكات الأندية بحق لاعبيها، فلم تكتفِ بهضم حقهم في العلاج، إذ إن الكثير منها غير ملتزمة ماديًا، فتراها توقّع عقودًا بمبالغ كبيرة مع النجوم ثم تماطل في تسديد ما هو مُتفق عليه، وهذا ما يحصل مع السواد الأعظم من اللاعبين الذين تذهب حقوقهم المالية تحت "المقصلة".
ودليل ذلك ما حصل مع اللاعب وليد حجازي النجم السابق لنادي الجلاء (ضمن أندية الدرجة الأولى)، فقد تعرضت مستحقاته المالية المتراكمة طوال موسم كامل لـ"مجزرة" من الخصومات بعدما طالب بها، فمن أصل 1500 دولار لم يحصل سوى على 90 دولارًا، وبقية المستحقات تفنن النادي في اقتطاعها.
وبدأت "المجزرة" حين قرر نادي الجلاء اقتطاع 350 دولارًا من المبلغ المستحق كغرامة بحجة أن الفريق فشل في تحقيق طموحات الإدارة في بطولة الدوري، إضافة إلى خصم قيمة هدية قدَّمها النادي للاعب بمناسبة زواجه، وكذلك خصومات مالية أخرى بذريعة حصوله على بطاقات ملونة في بعض المباريات، ما أجبره على سرد تفاصيل قصته "العجيبة" على صفحته بـ"فيس بوك".
هاتان القصتين آنفتي الذكر -وغيرهما الكثير-، تشيران إلى أن الأندية تتخذ من الأزمة المالية في قطاع غزة "شماعةً" لنهب مستحقات اللاعبين، كما أنها تسلك طرقًا ملتوية من أجل التنصُّل من مسؤولياتها الإنسانية والقانونية، ما يعطي انطباعًا أنها تتلاعب في تطبيق الاتفاقات عن سبق إصرار وترصُّد، مستغلة أن الدوري في قطاع غزة لم يرتقِ إلى مستوى الاحتراف الذي يُطبّق في الشق الثاني من الوطن "الضفة المحتلة".
تلك المشاكل لم تمر مرور الكرام على الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، فقد عقد رئيسه جبريل الرجوب مؤخرًا ورشة عمل مع الأندية ناقش فيها تنظيم علاقة اللاعبين بأنديتهم، مؤكدًا على ضرورة تحديث اللوائح والقوانين الخاصة بالأندية بطريقة عصرية تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، خاصة فيما يتعلق بعقود اللاعبين ومستحقاتهم.
وإزاء هذه المشاكل المتكررة، التي تدفع الأندية للتخلُّص من لاعبيها المصابين في كثير من الأحيان عبر مخالصة مالية، على طريقة إزالة "العفش القديم منتهي الصلاحية"، أرى أن على اللاعبين أن يضعوا نصب أعينهم عددًا من الاحتياطات عند توقيعهم مع أي فريق، حتى لا يقعوا فريسة لجشع الأندية، من أهمها:
1- أن يتضمن العقد المبرم بين الطرفين، بندًا يُعطي اللاعب الحق بالحصول على مصاريف العلاج كاملة خلال فترة ابتعاده عن الملاعب حال إصابته مع النادي، مع ضمان ذلك بشرط جزائي يُفرَض على النادي إذا قصّرت إدارته في تقديم العلاج كاملًا، مع الأخذ في الاعتبار أنه حق بديهي ولا يجب أن يتنازل اللاعب عنه تحت أي ظرف.
2- أن يحرص اللاعب على توقيع العقد مع ناديه الجديد في حضور المحامي أو عند أي جهة قضائية معترف بها، وتسجيله لدى الاتحاد ليتم توثيقه رسميًّا، الأمر الذي يضمن لكل طرف حقوقه على مدار المدة المنصوص عليها في العقد.
3- ألا يتردد اللاعب برفع شكوى رسمية للهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي -التي تعتبر الجسم الشرعي لرفع الظلم عن الرياضيين- ضد إدارة ناديه إذا شعر بأي تقصير منها خلال فترة العقد المبرَم.
4- أن يكون العقد واضحًا بالتفصيل فيما يخص الثواب الذي سيحصل عليه، فمثلًا يحدد المكافآت التي سينالها اللاعب إذا حصل على لقب الهداف، أو أي جائزة فردية أخرى، أو إذا توِّج الفريق بالألقاب، الأمر الذي يجعل اللاعبين في حالة تحفُّز على الدوام لتقديم أفضل ما لديهم، وهذا سيصب في مصلحة الطرفين على حد سواء، وأن يكون واضحًا كذلك في حالة العقاب، مثل الخصومات التي سيتعرض لها اللاعب إذا غاب عن التدريبات، أو تسبب في خسارة المباريات، أو حصل على البطاقات، نظرًا لأن الأندية "تتفنن بمزاجية" في صياغة العقوبات على اللاعبين بحلول نهاية الموسم، كما أسلفنا سابقًا.
وفي الجهة المقابلة يجب على الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أن يتخذ بعض الإجراءات التي من شأنها حفظ حقوق الأطراف جميعها، ومنع أي إشكاليات قد تقع بين اللاعبين وأنديتهم، أهمها:
1- السماح للاعبين بتشكيل رابطة خاصة بهم تكون منبرا وصوتا لهم، للتعبير من خلالها عن آرائهم ومقترحاتهم، وأيضا للتصدي لكل محاولات الأندية في "سرقتهم"، والدفاع عن أنفسهم في قضايا أخرى.
2- يتعيّن على اتحاد كرة القدم متابعة كافة الملفات التي لا تزال تمارس فيها الأندية أساليبها غير المشروعة، عبر تشكيل لجان متخصصة في هذا الشأن، تهتم باللاعبين وقضاياهم.
3- ينبغي عليه أيضًا سنّ قوانين رادعة، مثل: فرض عقوبات مالية على الأندية أو حرمانها من ضم لاعبين جدد مدة من الزمن، وذلك للكف عن هذه الأفعال غير المسؤولة، وللانتصار لحقوق اللاعبين، لا سيما الذين يتخذون من كرة القدم مصدر رزق أساسي لهم، في ظل الوضع المأساوي التي يمر به سكان قطاع غزة.
أما إدارات الأندية فمطلوب منها أن تكون على مستوى عالٍ من المصداقية مع لاعبيهم، وأن تراعي الوضع المادي الصعب، الذي أنهك أبناء الشعب الفلسطيني، وأن تعمل جاهدة على تقوية أرصدتها المالية وألا يقتصر دخلها على منحة الرئيس فقط.

