غزة – أحمد الكومي
كان منهمكاً في عمله، وبدت عليه ملامح التعب، طلبت "الرسالة نت" منه أن يأخذ قسطاً من الراحة، منها يلتقط أنفاسه، ومنها تعرف تفاصيل معاناته، حاله حال الكثير من عمال فلسطين الذين يتشاركون المعاناة بفعل الحصار الإسرائيلي.
ترك ما في يديه، وأخذ حجر بناء كان مُلقى على جنبات البيت الذي هو قيد الإنشاء، وجلس عليه ثم سند ظهره على حائط، وبدأ حديثه بابتسامة عريضة، لخصت مسيرة أعوام قضاها في صراع مع عدوى البطالة، والتي ألقت بظلالها على أطياف الشعب الفلسطيني.
"توفيق حسونة" عامل فلسطيني، يبلغ من العمر 25 عاماً، أب لخمسة أبناء، أنهى المرحلة الإعدادية، ودفع به سوء الوضع الاقتصادي الذي تعشيه أسرته إلى ترك المدرسة والذهاب للعمل في أراضي 48 ، لكن الحال لم يدم طويلاً، فبعد أن تولت حركة حماس الحكم في غزة، وفُرض عليها الحصار ، أغُلقت منافذ الرزق في وجه "توفيق" فاضطر للجلوس بالبيت والنظر في مرآة الفقر، التي عكست الواقع المعيشي الذي يحياه عمال فلسطين كافة.
إغلاق اقتصادي
حصار إسرائيلي كان بطل مسلسل "التمرد على حقوق الإنسان" والذي دخل الحلقة الخامسة من حلقات تجويع مليون ونصف مواطن فلسطيني يقبعون في مساحة كونية صغيرة، فلم يدع مجالاً لمشروع اقتصادي للصمود فترة طويلة بوجه الأزمة الاقتصادية التي نجمت عنه.
يقول لوالده :" لماذا لا تذهب للعمل اليوم، فقد تعودت منذ صغري رؤيتك تذهب مبكراً للعمل، ما الذي جرى لك، هل أنت مريض؟! أم أنت في إجازة عادية قلي يا أبي لا تخشي على، فقد صرت رجلاً كبيراً رغم حداثة سني، قل وتوكل على الله، فقد تعلمت منك الصبر على البلاء" فاجابه: فقدت مصدر رزقي بسبب الاحتلال، فقد دُمر مصنعي الذي كنت اعمل به إبان حرب الفرقان، وأصبحت عاطلاً عن العمل بعدها، والأموال التي ادخرتها للحاجة، دفعت جزءاً منها كمستحقات للعمال الذين يعملون لدي في المصنع".
حوار صغير جرى بين "أبو جواد" صاحب مصنع خياطة يضم أكثر من 40 عاملاً، وابنه الصغير، عكس أبسط النتائج الأولية للإغلاق الاقتصادي الذي أدى إلى تدمير العديد من مصانع الخياطة بالقطاع وتسريح آلاف العاملين في هذه المصانع.
ولمواجهة مثل هذه الأزمات عكفت الحكومة الفلسطينية على إنشاء المؤسسات الحكومية وتفعيل دور البعض الآخر منها، وهو ما كان سبباً رئيسيا في توجه "توفيق" ورفيقه أبو جواد إلى ممثلهم الشرعي والنائب عنهم في رفع صوتهم لذوي الاختصاص، ألا وهي "نقابة العمال"، لتنظر في ما ستؤول إليه حياة عامل فلسطيني دفع ضريبة الثبات على حقوقه الوطنية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هل ستتكفل نقابة العمال بتعويض الأضرار المادية والاقتصادية لعمال فلسطين الذين بلغت نسبتهم أكثر من 70% من أبناء الشعب الفلسطيني، وذلك في الوقت الذي انعدمت فيه فرص العمل وكثرت فيه المناشدات.
كل هذا وأكثر دفع "الرسالة نت" للتعرف على أوضاع العمال الاقتصادية، ومدى الجهد الذي تبذله نقابة العمال والحكومة في رقع فجوة المعاناة التي يعيشها فئات كثيرة من العمال التي تكسب قوت يومها من أعمال (العتالة)، فضلاً عن لجوء بعضهم إلى المهن التي لا توفر لهم الحد الأدنى من الحماية القانونية والحقوقية، وهذه المهن التي يتحكم بها القدر تارةً، وحاجات السوق تارةً أخرى. والتي قد يموت العاملون فيها من الجوع في أية لحظة.
وعلى الصعيد الآخر، هل ستكون النقابة والوزارة قادرة على صرف المخصصات الشهرية الخاصة بإصابات العمل، بالإضافة إلى مخصصات التقاعد، أم سيكون هناك محاولة جديدة لقتل عمال فلسطين.
في الواجهة
"عزيزي المواطن لا تترد في كتابة مشكلتك" هو إعلان مكتوب على الواجهة الرئيسية للموقع الالكتروني لوزارة العمل، يدعو المواطنين لترحيل شكواهم لصندوق الشكاوي والاقتراحات على الموقع، لتنظر الوزارة في طبيعة المشكلة وتدرس إمكانية حلها، في صورة تثير علامات استفهام حول مدى الاهتمام الذي توليه الوزارة للحد من ظاهرة البطالة بالقطاع، وحماية حقوق العمال.
حيث تنص المادة 8 من قانون العمل الفلسطيني على أن وزارة العمل مطالبة بإنشاء مكاتب لها بالضفة وغزة تكون موزعة بشكل ملائم على المحافظات بحيث يسهل على أصحاب العمل والعمال الاتصال بها، والمادة 20 من القانون نفسه تنص على ضرورة إنشاء الوزارة لمراكز التدريب المهني حسب الحاجة ويتم تحديد نظام عملها واختصاصاتها بقرار من الوزير.
في هذا السياق أكد نبيل المبحوح مدير مكتب وزير العمل، أن الوزارة قائمة على خدمة العمال وتنظيم العمل من خلال عمليات التفتيش الواسعة التي تجريها الوزارة يومياً بالإضافة إلى حماية العمل في المنشآت وترخيصها من أجل ممارسة العمل بشكل قانوني في المجتمع الفلسطيني.
وقال: في حالة حدوث نزاع بين أطراف العمل فيما يتعلق بالمخصصات الشهرية وغيرها من المستحقات يتقدم العامل بشكوى للوزارة، وبدورها تحل الدائرة القانونية النزاع بشكل ودي، وفي حالة تعذر الأمر يتم تقديم الشكوى للمحكمة القانونية، وهناك تسترد استحقاقات العامل أو صاحب المنشأة". وأضاف: المحاكم المدنية هي التي تقود الإجراءات القانونية والتي قد تأخذ فترة زمنية طويلة، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة إنشاء محاكم عمالية، لأنها مطالب فلسطيني يستوجب من الحكومة السعي لإنشائها لتنظيم العمل بشكل أكبر وأفضل مما كان عليه.
طرف ثالث
وفي سياق الحديث عن الجهود التي تبذلها نقابة العمال في إيصال صوت منتسبيها إلى ذوي الاختصاص، قال مدير مكتب وزير العمل : النقابة تعد الطرف الثالث ما بين المشغل والعامل،
ولها دور بارز في تحصيل الحقوق والتوجه برسائل للمؤسسات لإحقاقها، والتي من ضمنها التأمين الصحي.
وكما هو معلوم فإن نقابة العمال هي المنظمة العمالية التي تنظم عمال القطاع الذين يعملون في مهن متشابه ومترابطة، تصنف في إطار مهني نقابي يحدد المهن التي تمثلها، وتعمل للدفاع عن حقوقهم وحماية مصالحهم في المجالات المختلفة.
وفي هذا السياق، أكد سامي العمصي نقيب العمال بغزة أن نشاطات النقابة باتت متعددة في الوقت الحالي، وأوضح أن من أبرزها موضوع التأمين الصحي والذي يتم بالتعاون مع وزارة الصحة. ونوه لـ"الرسالة" إلى أن التأمين الصحي سيخدم أكثر من 100 ألف عامل عاطل عن العمل، من خلال تقديم الخدمات الصحية في عام كامل بمبلغ 10 شواقل فقط، يقوم العامل بدفعها سنوياً للنقابة.
وبين العمصي أن النقابة تسعى جاهدة لتقديم المساعدات العاجلة للعمال عن طريق التنسيق مع المؤسسات الخيرية والمانحة، بالإضافة إلى برنامج البطالة الذي تعقده النقابة شهرياً، وكشف عن تواصل نقابته مع وزارة العمل بشكل مكثف من أجل وصول برامج البطالة لأكثر الناس استحقاقاً.
وكشف العمصي عن امتلاك نقابته للعديد من المشاريع الكبيرة والتي يقف الحصار حائلاً أمام تنفيذها، موضحاً أن النقابة طرحت على الحكومة فكرة تأجير عدد من الأراضي الحكومية لسنوات طويلة لتشغيل العمال فيها، وذلك للحد من ظاهرة البطالة المستشرية بالقطاع.
ولفت إلى أن النقابة قامت مؤخراً بتعويض مصنع العريس لصناعة البسكويت بمستحقاته المالية وذلك نتيجة للضرر البالغ الذي تعرض له المصنع بفعل الحصار الصهيوني الظالم.
مستحقات مطلوبة
وحول الاستحقاقات المالية المخصصة، والمساعدات الواردة لكل عامل فلسطيني، أوضح المبحوح أن وزارة العمل أقرت قانوناً يحدد مستحقات العامل وذلك حسب سنوات الخدمة التي يقضيها مع صاحب العمل، والعقد المتفق عليه بين الطرفين.
وقال مدير مكتب وزير العمل إن وزارته تعمل على أكثر من صعيد للارتقاء بالنظام العمالي بالقطاع ، وذلك من خلال مراكز التدريب المهني القائمة على تخريج الكوادر البشرية على مختلف المهن، إلى جانب مشروع التشغيل المؤقت الذي تنظمه الوزارة بناءً على قاعدة البيانات لكافة العمال في القطاع.
وأردف قائلاً:" وزعت الوزارة منذ انقضاء شهر رمضان أكثر من 80 ألف طرد غذائي على العمال العاطلين عن العمل، بالإضافة إلى المساعدات النقدية".
وكشف المبحوح عن افتتاح وزارته لمشروع المحررات الفلسطينية والذي يقوم على توظيف أكثر من 300 عامل خلال مدة زمنية تتراوح الشهرين، على شكل أفواج جديدة لفئات مختلفة من العمال الفلسطينيين.
في حين أوضح سمير زقوت مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان أن المادة (4) من قانون العمل تقول إن العامل يُعفى من الرسوم القضائية في الدعاوى العمالية التي يرفعها نتيجة نزاع يتعلق بالأجور أو الأجازات أو بمكافآت نهاية الخدمة أو بالتعويضات عن إصابة العمل أو بفصل العامل فصلا تعسفيا. وكشف في سياق آخر عن نجاح المؤسسات الحقوقية في الضغط على الصندوق الإسرائيلي لاسترداد المستحقات المالية للعمال الذين أصيبوا بإعاقات أثناء العمل داخل أراضي 48، وقال إنه سيتم في الأيام القادمة صرف كافة المستحقات بالإضافة إلى مخصصات التأمين التي كانت موقوفة مسبقاً، وذلك بأثر رجعي تصفى في حسابات العمال الفلسطينيين.
من المسؤول؟
وكما هو معلوم فإنه بتوعية العمال بقوانين وأنظمة العمل المتفق عليها دولياً يتحقق الرضا في العمل بين العامل والإدارة العليا للمؤسسات والمصانع، وبالتالي يخفف من مشاكل العمل.
وفي هذا الصدد أوضح زقوت، أن وزارة العمل هي المسؤول الأول عن الوضع القائم، ومطلوب منها رقابة فاعلة على سوق العمل من جهة ضمان احترام تطبيق قانون العمل الفلسطيني،وقال: إذا كانت الوزارة غير قادرة على محاربة البطالة واستحداث فرص عمل جديدة، فهي مسئولة عن الوضع القائم ومطالبة بأن تمنع انتهاكات وتجاوزات قانون العمل".
وأضاف: الوزارة مطالبة كذلك بفحص كل منشأة يتم فيها أعمال خطرة كمصانع الحدادة والنجارة وصناعة البلاط، وأن يتم إخضاعها للرقابة القانونية للحفاظ على سلامة العامل وصاحب العمل، بالإضافة إلى محاكمة كل رب عمل لا يتوفر في منشأته أي وسائل السلامة الشخصية وتدابير الحماية لكل عامل في المنشأة.
ويتابع : في ظل الحصار وندرة فرص العمل وتفشي البطالة أصبح أرباب العمل يستغلوا هذه الظرف وباتوا يفرضوا شروط عمل قاسية وبأجور دون الحد الأدنى التي نص عليها القانون".
واستطرد مدير المركز الحقوقي: كل رياض الأطفال والمدارس الخاصة تمتهن كرامة البشر، من خلال جعل الطالبة الجامعية الخريجة تعمل طيلة شهر كامل بمرتب زهيد يصل إلى 300 شيقل، ناهيك عن ورش العمل الخاصة، وهذا يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، ووزارة العمل هي المنوط فيها الرقابة الذاتية وضمان احترام القانون".
وأشار زقوت إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يشدد على الحق في العمل، وشروط وظروف عمل مناسبة، والحق في إجازة مدفوعة الأجر، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في الإضراب النقابي.
وأكد أن جميع المؤسسات الحكومية والأهلية بغزة تعمل على الإغاثة بدون أدنى اعتبار للبعد التنموي، والذي من شأنه أن يخفف من ظاهرة البطالة والفقر المنتشرة في الضفة وغزة.
حال العمال – اذن - بات يصعب على كل صاحب ضمير حي، فمتطلبات الحياة واحتياجات الابناء تتزايد وتتفاقم، وهم لا يعلمون المستقبل المجهول الذي ينتظرهم.