"أنا انتظر حجرا واحدا يريمه أي منهم لأرد عليه بطريقتي" كانت هذه جملة لأحد جنود الاحتلال بداية مجزرة محبوكة التفاصيل، حينما بدأ الجنود بإطلاق النار على المصلين في باحات الأقصى لتنتهي القصة باثنين وعشرين شهيدا، في الثامن من أكتوبر من عام 1990.
ثلاثون عاما مضت على ذكرى المجزرة رقم ثمانية في القدس، ضمن تاريخ لأكثر من مائة مجزرة موزعة على المدن الفلسطينية منذ بدء الاحتلال في مشروعه الصهيوني، وكأنه يغيب ثم يعود لممارسة هواية محببة!
وبالعودة إلى الجندي في قصة مجزرة الأقصى، فحينما لم يتحقق ما يطمح إليه، حتى تكتمل أركان الخطة، قرر الجنود استفزاز النساء في المصلى القبلي بإطلاق قنابل الغاز عليهن بدون سبب، فبدأت أصوات الصراخات تعلو من داخل المصلى، وبدأ الشباب بالتوافد لاستطلاع الأمر ليروا نساء الأقصى وقد فقدن الوعي تحت وابل من القنابل الغازية.
بدأ المصلون برمي الحجارة تجاه الجنود المتمركزين حول باب المغاربة وبالقرب من حائط البراق فانطلقت الرصاصات واحدة تلو الأخرى وبعد انتهاء المجزرة أغلق الاحتلال المسجد ليومين كاملين ومنع المصلين من دخوله، ولعل هذا الأسلوب المتبع لدى المحتل كان أحد أساليبها لإغلاق الأقصى والسماح للمستوطنين بتدنيسه، وإعطاء الفرصة للحفر والتنقيب والسرقة والتشويه.
وفي ذلك اليوم يقول أحد الشهود الحاضرين في المكان: "حاصرت قوات الاحتلال نحو 20 شابا قرب سطح المصلى المرواني، فلما رأى الشبان أنهم سيستشهدون لا محالة بدأوا بالصلاة خلف إمام لهم ليموتوا كذلك، فجاء الضابط (الإسرائيلي) وأطلق النار على أرجلهم فأسقطهم جميعا على الأرض، ثم أوعز لطائرة تحلق حوله وطلب التقاط صورة علوية له وهو يرفع إشارة النصر بيد ويحمل السلاح باليد الأخرى ويدوس بقدمه على رأس الإمام!
وفي القضية ذاتها رأت شخصيات ضمن مؤسسات حقوقية أن تلك المجزرة كانت مباغتة ومخطط لها مسبقا، فلم يكن هناك أي أمر قد يكون مسببا لهذا الإجرام.
وتقدم أحد المصورين البريطانيين الذي كان متواجدا هناك بالصدفة بتسجيل مصور لحائط البراق لحظة المجزرة، موثقا عنجهية وإجرام الاحتلال، بالإضافة إلى شهادة خبير بريطاني رأى أحد الأحجار التي ادعى الاحتلال أنها ألقيت على مواطنيه، مؤكدا أن حجم الحجر لا يمكن أن يقدر على حمله أحد، ولا القائه من هذه المسافة.
ويقدم الكاتب المقدسي محمد عبد الله شهادته في مقال له في ذكرى المجزرة قائلا: "لم يتمكن الاحتلال من حصار آلاف المرابطين فاستعان بالطائرات والأسلحة الأوتوماتيكية للمشاركة في المجزرة التي استشهد فيها 21 شابا فيما أصيب المئات.
سطر الفلسطينيون يوما من الصمود رغم النزيف وأوقفوا مخططات الاحتلال لفرض واقع جديد، واقع كان وما زال الاحتلال يبحث عن فرصة مناسبة لتحقيقه، لكنه لم ينجح حتى اليوم.
ويضيف الكاتب:" وضع ليس بالجديد على المرابطين بالمسجد الأقصى، فسلسلة الاقتحامات بدأت منذ إعلان الصهاينة احتلال الأراضي المقدسة عام 1967 في محاولة هدفها الأبرز الهيمنة عليه وتقسيمه زمانيا ومكانيا بين المسلمين والصهاينة" .