قائمة الموقع

الوداع قبل الموت.. أمنية الأسرى الأولى  

2020-10-04T20:13:00+03:00
ارشيفية
الرسالة نت-رشا فرحات

"نفسي ومنى عيني أشوفها قبل ما أموت". كانت هذه أمنية والدة الأسيرة أزهار قاسم، والحقيقة أن هذه الأمنية أصبحت لغة فلسطينية خاصة، لا يعلم معناها سوى الفلسطيني المأسور داخل معتقلات الاحتلال، والمأسور في بلده لمنعه من السفر أو لإغلاق المعبر، أو لأن أغلب الدول لا تستقبل فلسطينيته، فيعيش حياته وقد تجرع بعد أحدهم، أو موته دون وداع حميم.

هذه الجملة كانت رفيقا لنا على مر عصور، مقرونة بالشتات الذي نعيشه، وهاجسا يعيش داخل كل أسير في المعتقل، كذكرى لها رائحتها، وأصواتها، وهواجسها، وتاريخها الذي لا يزول من الذاكرة!

لك أن تتخيل أن أهم أمنية لأهالي الأسرى وللأسرى أنفسهم هو الموت على فراشهم محتضنين أحبتهم، ولك أن تتخيل وأنت خلف القضبان الحديدية، كيف يكون الاعتقال أشد مرارة حينما يقولون لك أن والدتك قد توفيت، لا تشارك في دفن، ولا وداع ولا تطبع قبلة أخيرة على جبينها.

قلب مفطور تحمله أم أزهار، حزنا وكمدا على صبيتها السجينة، فلم يعد يحتمل وتراجعت صحتها أكثر بعد أن خضعت لعملية قلب مفتوح، فازداد وضعها خطورة حتى توفيت.

ولأن الاتصال ليس متاحا في كل وقت، فقد وصل الخبر لأزهار عبر إحدى الإذاعات التي يصل بثها إلى داخل السجون، وحاولت الأسيرات التمهيد لنقل الخبر، ولكن أزهار التي تشعر بقلب أمها قالت: "إنها أمي التي يتحدثون عنها، أمي ماتت".

رسمت أزهار قلوبا، وكتبت جملا مقتضبة، أرسلتها لعائلتها مع أسيرة أفرج عنها الاحتلال مؤخرا، أطرت الرسالة برسومات طفولية لصبية حرمت من ممارسة طقوس الموت التي تحولت إلى حلم.

رسالتها توسطتها الكثير من الجمل المؤجلة حتى لحظة الإفراج التي كانت تحلم بها: "أنا بخير، بس موت أمي كسر ظهري، كنت بدي أحكيلها كتير حكايات".

ثم تنتهي الحكايات فجأة، وتنتهي الأمنية التي لطالما رددتها أم أزهار، ويصبح الموت واقعا، وتمضي شهور الزنزانة مخلفة حسرة لا تنسى.

لم تزر أم أزهار ابنتها ولا مرة منذ اعتقالها، بسبب وضعها الصحي الخطير، ولم تقدر على التحمل أكثر فرحلت رحيلا هادئا في زمن الكورونا، ولكن هذا الرحيل لم يكن كأي موت بالنسبة لأزهار التي ظلت على مدار الأشهر السابقة تجمع الكلمة بعد الكلمة، والحكاية تلو الحكاية، تسطرها في الذاكرة لكي تفرغها في جلسة ود بين أم وابنتها، وهي تتمدد على ركبتها.

قصة أزهار ليست استثنائية، فهناك عشرات القصص لأمهات رحلن وهن يرددن "نفسي أشوفه قبل ما أموت".

فوالدة الأسير فارس بارود فقدت عينيها، وكانت تشارك أسبوعيا في فعاليات أمام الصليب الأحمر لتردد تلك الجملة، رسالة واحدة، أمنية واحدة فلا وقت لأي أمنية أخرى قبلها ولا بعدها، لكنها أيضا رحلت ولم تحقق أمنيتها، ثم رحل فارس دون احتضان أحد من إخوته أو عائلته دون أن يحمل جثمانه على الأكتاف.

تظل الأيام ثقيلة يلفها هاجس الموت دون لقاء، تحاول الكثير من الأمهات ترك وصية أو رسالة هنا أو هناك وكل رسائلهن تدور في فلك واحد "هاجس الموت قبل الحرية" فتضع والدة الأسير ضياء الأغا وصيتها: "ان متت يمه قبل ما أشوفك تعالي عند قبري على طول لما يفرجوا عنك عشان أشوفك يا ضياء".

ولعل آخر موت وصل إلى غياهب الزنزانة كان قبل أيام معدودات، حينما توفيت والدة الأسير سامر العربيد، ومر الخبر سريعا بين أخبار الموت التي نقرأها كل يوم، بينما كان خبرا وحيدا مر على زنزانة سامر فتوقفت الحياة لحظتها، هذا موت آخر دون وداع يليق بالمعنى الحقيقي للموت.

أما محمد أبو ناموس، فقد أعطاه الوقت ساعتين، أفرج عنه قبل شهرين، بينما رحلت أمه بعد ساعتين من الحرية، لم يعطه الوقت إلا قبلة أخيرة، أخبرها أنه عاد، ولم تسمع وهي على فراش الاحتضار، أخبرها أن هناك لحظة لم يعشها معها، ولكنها رحلت، دون أن تكون هناك جلسة أخيرة لفضفضة الوجع بين أم وابنها.

اخبار ذات صلة