تُشكل الخيارات المحدودة أمام قيادة السلطة الفلسطينية في مواجهة العديد من الأزمات المفروضة عليها، وأهمها الأزمة المالية عقب توقف (إسرائيل) منذ عدة أشهر عن تسليم السلطة أموال المقاصة، إلى جانب الهرولة العربية نحو التطبيع مع الكيان، حالة من الضغط التي قد تدفعها إلى التراجع والعودة للوراء.
وتجد قيادة السلطة نفسها أمام حرج كبير وتبحث عن سُلم للنزول عن شجرة تهديداتها ورفضها لصفقة القرن والمشاريع الأمريكية، خاصة وأن الهرولة العربية نحو تطبيع العلاقات مع الاحتلال باتت تشكل ضغطا كبيرا على تمسك السلطة بمواقفها الوطنية.
وتوقّع رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، أن تعود السلطة الفلسطينيّة إلى المفاوضات مع الاحتلال بعد الانتخابات الأميركيّة المقرّرة في تشرين ثانٍ/نوفمبر المقبل.
وذكر المراسل السياسي لصحيفة "يسرائيل هيوم"، أرئيل كهانا، أن نتنياهو قال، في الغرف المغلقة، إنّ التطبيع مع الإمارات والبحرين والأثر الإقليمي لذلك "لا يتركان مجالا للفلسطينيين إلا العودة لطاولة المفاوضات".
ومع ذلك، قال نتنياهو سيحدث فقط إن فاز الرئيس دونالد ترامب بولاية أخرى.
وأضاف نتنياهو أن المفاوضات ستبدأ على أساس خطّة ترامب لتسوية القضيّة الفلسطينيّة، المعروفة باسم "صفقة القرن"، والتي تلاقي رفضًا شعبيًا وسياسيًا فلسطينيًا واسعًا.
ورغم مواقف السلطة الأخيرة، إلا أنها لا زالت تتمسك بشعرة السلام، لا سيما وأن القيادي بالسلطة وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، أعلن قبل أيام، عن الاستعداد للعودة إلى المفاوضات مع (إسرائيل)، ولكن عبر مؤتمر تدعو له اللجنة الرباعية الدولية.
وقال مجدلاني، في تصريح لوكالة الأناضول: "نحن جاهزون للعودة للمفاوضات عبر مؤتمر دولي تدعو له اللجنة الرباعية لعملية السلام (الولايات المتحدة، روسيا، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي)، على أساس تطبيق القرارات الدولية".
وجاءت تصريحات مجدلاني قبيل وصول وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية، بهدف بحث سبل عودة مفاوضات السلام بين الجانبين.
سيناريو مرجح
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي د. حسام الدجني أن عودة السلطة للمفاوضات هو السيناريو الأرجح والأكثر منطقية خاصة وأن هناك جماعات مصالح قد تتضرر مصالحها في حال ذهبت قيادة السلطة لانتفاضة شعبية.
ويوضح الدجني في حديثه لـ"الرسالة" أن ذهاب السلطة لانتفاضة جديدة يعني أن الدور الأمني والوظيفي للسلطة سيتآكل وستضرر جماعات المصالح، لأن التمويل الدولي مرتبط بالدور الأمني والوظيفي سواء من الاطراف الإقليمية أو الدولية، وهو ما يعطي مساحة لجماعات المصالح لممارسة الضغوط على قيادة السلطة لإعادة بناء توجهاتها باتجاه عملية السلام.
ويؤكد أن عودة السلطة لخيار المفاوضات قد يكون مرهونا بفوز المرشح الأمريكي جون بايدن والتغير في شكل السياسة الأمريكية حتى وإن بقيت في الجوهر كما هي، مبينا أن السلطة يمكن أن ترى في هذا الامر مدخلا للنزول عن الشجرة والذهاب باتجاه المفاوضات خاصة في ظل عدم الاستقرار المالي للسلطة.
ويبين أن التعويل يبقى على التيار الوطني والحر داخل السلطة الفلسطينية عبر التمسك بما جاء في مؤتمر الأمناء العامين بالذهاب الى انتفاضة شعبية كما تم التوافق عليه.
ويشير إلى أنه لا يمكن التعويل كثيرا على الخطاب الثوري للسلطة التي تعيش حالة صدمة مما يجري مؤخرا مما يجعل سيناريو نتنياهو هو الأكثر ترجيحا وخاصة أن خيار حل السلطة لم يعد قائما بالنسبة لقيادات السلطة.
سياسة الانتظار
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. جمال الفاضي أن القيادة الفلسطينية تتبع سياسة الانتظار والرفض الكلامي دون القيام بفعل مؤثر أو صناعة موقف وحدث يعيد صياغة الأزمة ضمن شروط يمكن من خلالها خلط الأوراق، لأن البقاء رهينة مواقف ثابتة أو ردود فعل جامدة، لن يغير من واقع الأمر شيئًا.
ويؤكد الفاضي في مقال له أن الملاحظ منذ إعلان خطة صفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، اعتماد القيادة الفلسطينية دبلوماسية الرفض وسياسة الانتظار، وذلك انتظارا لتغيير ما في السياسة الأمريكية قد تفرزه نتائج الانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر القادم، متناسية أن أي تغيير يمكن أن تفرزه الانتخابات الامريكية القادمة لن يعيد عقارب الفعل الأمريكي للوراء.
وتابع "لن يقود فوز بايدن إلى العودة عن اعتبار القدس عاصمة (لإسرائيل) أو يعيد السفارة إلى تل أبيب، ولن يسحب صفقة القرن من التداول، وكل ما يمكن القيام به هو العودة للمفاوضات الماراثونية ومؤتمرات البروباغاندا التي لا تغني ولا تسمن من جوع لتغيير حقيقي، فيما الواقع يسير باتجاه مخالف لعقارب الساعة الفلسطينية، مزيدا من السيطرة الإسرائيلية والضم على الأرض واستمرار للاستيطان وكل المحاولات الإسرائيلية المعطلة والرافضة لفكرة حل الدولتين".
وشدد على أن المطلوب من القيادة الفلسطينية اتباع نهج جديد لا يبقي الحالة الفلسطينية رهينة مواقف الآخرين، والتقوقع على الذات، ومن الخطأ الرهان على مواقف الآخرين فيما الحالة الفلسطينية هي أول ما نحتاج إليه من ترتيب بيتنا وتمتين مواقفنا.