قائمة الموقع

الموت في أقسام الولادة قضاء وقدر.. ولكن من المسئول؟

2010-10-07T16:45:00+02:00
د. خلف: نحرص على تصحيح المسار ونحقق في الشكاوى

الصحة: الدعاوى ضد أقسام الولادة ليست بحجم الضجة الإعلامية

مراكز حقوقية: المحاسبة الجدية معدومة لقلة القضايا أمام النيابة

النائب العام: حجم الإهمال يحدد نوع العقوبة

الرسالة نت -  شيماء مرزوق- لميس الهمص

لا تزال ضحكات مروة تتردد في أرجاء بيتها الذي غادرته دون سابق إنذار منذ تسعة أشهر  كانت في العشرينات من عمرها وحالتها الصحية ممتازة, زارت الطبيب أكثر من مرة خلال حملها بطفلها الخامس، لم يكن هناك أي مؤشر يدل على أن ولادتها ستكون عسيرة إلا كبر حجم مولودها.

وتيقنت إثر ذلك أنها لن تستطيع ولادته إلا بعملية قيصرية علاوة على انه لم يمض سوى عام على ولادتها القيصرية السابقة ، ولم تكن تتوقع أية مضاعفات لأنها ليست المرة الأولى التي تخوض فيها التجربة .

عندما أحست بقرب موعد ولادتها اتصلت بأم زوجها لتكون قريبة منها فهي يتيمة الأم، واجتهدت في تهيئة كل شيء للحدث السعيد المرتقب ، كثيرا ما كانت مروة تداعب ملابس طفلها المنتظر وتضحك من حجمها الصغير .

لم تكن تعلم أنها لن تعود لمنزلها وأن مولودها وأخوته سيبقون أيتاما لإصرار الطبيب على توليدها طبيعيا بالرغم من كبر حجم الجنين لتنفجر العملية السابقة ويبدأ النزيف وتبدأ رحلة المعاناة.. حكاية مروة من عشرات الحكايات التي تحولت إلى مجرد أرقام.

"الرسالة نت" فتحت ملف أقسام الولادة ونقلت شهادات ضحايا الأخطاء الطبية وإهمال الأطباء ، وتناولت دور وزارة الصحة والإجراءات الجديدة التي اتخذتها لعلاج هذه المعضلة.

معاناة متواصلة

مروة ابنة الخامسة والعشرين ربيعاً قضت حسب ذويها بسبب إهمال الأطباء لحالتها وإصرارهم على توليدها طبيعياً بكل الطرق بدلاً من إجراء عملية قيصرية لها. يقول زوجها موسى مرتجي: عندما أتمت زوجتي شهور حملها التسعة وبدأت آلام المخاض توجهت إلى قسم الولادة، وعندما اشتد الألم دخلت كشك الولادة وطلبت من الطبيب المشرف عليها بان يجري لها عملية قيصرية وذلك لان حجم الجنين كبير "4.800 كيلو غرام".

ويتابع: كما أنها كانت قد ولدت طفلها الرابع قيصرياً ولم يمض وقت طويل على حملها الخامس وهو ما يعني بأن العملية الأولى لم تلتئم بالشكل الكافي بعد, إلا أن الطبيب صرخ في وجهها "اخرسي أنت لا تعرفين شيئا".

اشتدت آلام الولادة وكانت صرخاتها تصم الآذان إلا أن عذاباتها وأوجاعها لم تشفع لها ولم ترقق قلب الأطباء ليريحوها من هذا العذاب ويولدوها قيصرياً, وأصروا على أن ينتظروا حتى تتم ولادتها بشكل طبيعي, وهنا أضاف الزوج " أثناء الولادة انفجر جرح العملية القيصرية السابقة وانفجر الرحم وبدأت مروة تنزف بغزارة وبدأ الأطباء يطلبون وحدات دم لها بالرغم من أن دمها سالب ونادر الوجود, حيث بقيت تأخذ دما لمدة ثلاثة أيام احتاجت خلالها إلى (27 وحدة دم) ومع ذلك لم يتوقف النزيف.

ويتحدث الزوج بحزن "تواصل انخفاض دم زوجتي حتى وصل إلى ستة وحدات بعدها أخضعت لعملية استأصل خلالها الرحم إلا أن النزيف لم يتوقف فأعيدت لغرفة العمليات لتجرى لها عملية استكشافية وذلك بفتح بطنها طوليا ليتبين للأطباء أن سبب النزيف كان من الطحال الذي تضخم أربعة أضعاف حجمه الطبيعي".

وبحسب الزوج فإن مروة توقف نزيفها بعد استئصال الطحال ولكن حرارتها ارتفعت إلى أكثر من (40 درجة) فطلب الأهل تحويلها للعلاج داخل الأراضي المحتلة عام 48 فوافق الأطباء.

وفي داخل الأراضي المحتلة بدأت مروة مرحلة جديدة من المعاناة حيث تبين أنها تعاني من تلوث شديد ، فأعادوا فتح بطنها وأجروا لها (20 عملية) غسيل.

زوج مروة استمر في سرد معاناته فقال "بقيت بجانبها لأكثر من شهر ولكن حالتها كانت تزداد سوءا، فلم تكن تقوى على العيش سوى بالأجهزة الطبية ثم بدأ ضغطها بالانخفاض حتى فارقت الحياة".

وهنا أوضح الزوج أنه قدم شكوى لوزارة الصحة منذ تسعة أشهر لمحاسبة المسئولين عن قتل زوجته والتي بدورها فتحت تحقيقا في الحادث إلا أن القضية لم تنته بعد.

أزمة العيد

أما الأم "نهاية"، فجلست متثاقلة تنتظر المهنئين بيوم العيد وإذا بساعة الصفر التي انتظرتها تسعة أشهر تباغتها فأسرعت برفقة زوجها ووالدتها إلى مستشفى دار الشفاء بمدينة غزة لتبدأ رحلة يوم شاق وطويل لم تكن لتعلم أنه سينتهي بمأساة لن تمحى من ذاكرتها, وصلت المستشفى فأخذتها الطبيبة المناوبة وفحصتها وأجرت تخطيطا للتوأمين الذكرين اللذين تنتظرهما بشوق وشغف وطمأنتها الطبيبة بان وضعهما طبيعي وعليها دخول قسم الولادة لعمل اللازم.

من هنا بدأت رحلة العذاب كما سماها الزوج حاتم البنا والذي قال للرسالة "كان حلما جميلا لي ولزوجتي أن يرزقنا الله بتوأمين ذكرين بعد أن رزقنا بثلاثة بنات وولد واحد, لكن هذا الحلم انقلب إلى كابوس ومأساة".

وأضاف: "توجهت على الفور بزوجتي إلى مستشفى الشفاء لفحصها، ورغم خطورة حالتها وطلبنا إجراء عملية قيصرية لها إلا أن الرفض والإهمال كانا سيدا الموقف".

 جلست نهاية "25" عاماً ووالدتها تنتظران في القسم لساعات طويلة دون أية متابعة من أي طبيب أو ممرضة رغم حساسية وضعها كونها حاملا بتوأمين, وحين طلبت الأم عمل تخطيط للأجنة رفضت الممرضة وقالت (بعد نصف ساعة يأتي موعد التخطيط) الا انها لم تعد الا بعد 6 ساعات فتم عمل التخطيط الثاني وكانت نتيجته ممتازة وحركة التوأمين طبيعية.

وبحسب البنا فإن أم نهاية ذهبت لتبحث عن الطبيب المناوب الذي لم يمر على الحالة منذ دخولها القسم لتتوسل إليه بأن يعاين حالة ابنتها، عندها طلب منها أن تحضر ابنتها, ففحصها وطلب نتيجة التخطيط السابق وطمأنها بأن التخطيط جيد وطبيعي والرحم لا زال متوسعا 3 سم وهناك خمالة في الرحم بسبب الغرزة التي أخذتها سابقاً (غرزة لمنع الولادة المبكرة في أول أشهر الحمل) .

ورأى الطبيب أن وضع الأم جيد ولا حاجة للعملية القيصرية التي طلبتها فالولادة ستتم طبيعيا .

وعادت نهاية مجدداً للقسم واستمر الماء في النزول منذ دخولها وحتى الساعة الثانية صباحا، بعدها بدأ التغير يطرأ على لون الماء في إشارة لوصولها إلى مرحلة الخطر فلم تعد تشعر بحركة الأجنة، وطلبت على الفور من الممرضة المناوبة في حينه عمل تخطيط للأجنة وميزان للحرارة، فرفضت الممرضة وقالت لها بأن التخطيط التالي سيكون بعد أربع ساعات.

ويتابع البنا ما سماه فصول المعاناة قائلا: في تمام الساعة الرابعة صباحاً ذهبت نهاية وأمها بمفردهما إلى كشك الولادة لاستدعاء الطبيب الذي لم يرها سوى مرة واحدة، فرفض الطبيب رؤيتها وحين توسلت إليه الأم رفع يديه وقال (أنا انتهى دوامي وهناك دوام طبيب آخر سيرى الحالة بعد قليل) وذهب للراحة.

 وبعد ساعة طلبت الأم من الممرضة عمل تخطيط للأجنة لأنها لا تشعر بالحركة، عندها استجابت لتكتشف أن نبض الأجنة توقف فتركتها وذهبت للطبيب الذي طلب إحضارها لعمل صورة "ألتراساوند" لها حيث كانت هذه الصورة الأولى والوحيدة منذ دخولها المستشفى والتي ظهر فيها وفاة طفليَ التوأمين".

وبحزن بدا واضحا على ملامحه تحدث البنا بأن الطبيب عندما اكتشف وفاة الأجنة اخبر والدتهم دون أية مقدمات أو حتى تمهيد بسبب بدخولها في حالة انهيار عصبي و هستيريا".

وطالب البنا الذي رفع شكوى لوزارة الصحة بحبس الأطباء الثلاثة، وسحب رخصة مزاولة المهنة وتغريمهم مالياً عما حدث, بالإضافة إلى فصل الممرضة التي كانت في المناوبة ليلة الحدث بسبب رفضها عمل تخطيط للأجنة, ومحاسبة طواقم التمريض المناوبة طيلة أيام عيد الفطر والعاملة في قسم الولادة "الطبيعية" بتهمة الإهمال والتقصير وخصم أيام من الراتب الشهري لهم وتوجيه كتاب "لفت نظر" لكل منهم.

لا يوجد تقصير

من جانبها وزارة الصحة كان لها رواية أخرى حيث ذكرت بأنها تقصت من أصحاب العلاقة ما حدث مع المواطنة نهاية البنا، والتي أدخلت قسم التوليد يوم الجمعة الموافق 10-9-2010 الساعة 2:40 مساء وهي تعاني من نزول مياه مهبلية وهي حامل بتوأمين وفي بداية الشهر التاسع أي 37 أسبوعا.

وبينت في بيان صدر عنها أن المريضة أدخلت من قبل الأطباء وأجرى تخطيط للأجنة وكانت النتيجة ممتازة بالنسبة لكلا التوأمين، وقد كان عنق الرحم متوسعا 3 سم ومجيء الجنين الأول بالرأس ودرجة الحرارة عادية مع العلم أن نزول المياه بدأ قبل الحضور للمستشفى بوقت قصير.

وقالت الوزارة أنها في تمام الساعة 8 مساء، أجرى طاقم التمريض تخطيطا آخر للتوأمين وكانت نتائج التخطيط أيضا ممتازة، كما قيمت المريضة مرة أخرى الساعة 10 مساء ثم 12 ليلا وكان عنق الرحم متوسعا 4 سم ونبض الأجنة جيد وهذا أيضا مثبت في ملف المريضة.

ويتابع: في الساعة الخامسة صباحا عملت الممرضة تخطيطا جديدا ولكن للأسف فوجئت بعدم وجود نبض لدى كلا التوأمين وأخبرت الأطباء بذلك.

وأكدت الوزارة في بيانها أنه لم يكن هناك أي تقصير أو إهمال أو أخطاء طبية، وكان لابد من إدخال المريضة للملاحظة على الأقل مدة 12 ساعة على أمل الولادة الطبيعية ولم يكن هناك أي داع ٍ لإجراء عملية قيصرية كما طلب أهل المريضة من البداية.

وبينت أن تخطيط الأجنة كان ممتازا ولا داعي لأي تدخل، مع العلم أن هناك حالات بنسب معينة يظهر التخطيط الجنين بحالة جيدة والأجنة بعكس ذلك , وكذلك العكس صحيح، مشيرة إلى أن موت كلا التوأمين المتماثلين ذوي المشيمة الواحدة وبشكل مفاجئ يظهر إشارات اشتباه كبيرة باحتمال وجود مشاكل أيضية لها علاقة بالجينات وخاصة أن الأم الحامل لم تكن تعاني من أية مشاكل طبية مثل ارتفاع الضغط أو السكر.

وشددت على أنها قد شكلت لجنة فنية للتحقيق في ظروف الحالة وأنها حريصة على ظهور كل الحقائق ولن تتردد في إعلانها واتخاذ الإجراءات الرادعة بحق أي مخطئ أو مقصر.

معاملة سيئة

وتتنوع  حالات الإهمال الطبي في إساءة معاملة المرضى، وإعطاء كمية مرتفعة من المخدر لا تتلاءم مع سن أو وزن المريض، وإعطاء وحدات دم ملوثة، وترك مواد في بطن المريض، وعدم دقة التشخيص, كما اختلفت النتائج التي خّلفها الإهمال، فبعضها نتج عنه ضرر بسيط بالمريض، لكن بعضها الآخر أدى إلى الوفاة.

سوء المعاملة وإهمال بعض الأطباء جعل الكثير من السيدات ينفرن من أقسام الولادة العامة ويلجان للولادة في المستشفيات والعيادات الخاصة بحثاً عن الرعاية والنظافة, إلا أنها ترفض استقبال الكثير من الحالات لعدم توفر الإمكانيات الكافية.

أم أحمد لم تتعرض هي وجنينها للأذى إلا أنها اشتكت من سوء المعاملة والألفاظ القاسية فتقول:"أكثر ما أزعجني في ولادتي الأولى برود أعصاب العاملين في قسم الولادة وعدم مراعاتهم للحالة النفسية السيئة للمرأة عند الولادة (...).

تركوني وحيدة أصرخ واستغيث وبعد عناء جاء احد الأطباء وقال لي يوجد وقت لماذا تصرخين سأشرب الشاي ثم أعود".

وقالت "للرسالة نت": لا أنكر بأن الضغط كبير في قسم الولادة ولكن من الواجب عليهم مراعاة وضع المريضة وتوفير الجو المناسب قدر المستطاع فلا يعقل أن يجعل الطبيب من المرضى مسخرة، على حد تعبيرها، فيقول للممرضة عندما سألته عن أحد الملفات أنه بجوار حائد المبكى، وتساءلت باستنكار: هل يسخر من ألم المرضى وبكائهم أم ماذا كان يقصد؟.

ثم صمتت برهة وكأنها عادت لتعيش الموقف : عندما دخلت إلى كشك الولادة كنت أنزف ولم أجد سريرا فارغا لأنام عليه فما كان من إحدى الممرضات إلا أن أجلستني بجانب جثة مولود، عندها شعرت أن هذا هو المصير الذي ينتظرني فأجهشت بالبكاء .

وتذكر أم أحمد أن المفارقة كانت عند ولادتها الثانية حيث وجدت طبيبا من أقربائها فلم تشعر حينها أنها ولدت في المكان ذاته الذي ولدت فيه سابقا فقد لاقت من العناية الكثير ما انعكس إيجابا على نفسيتها.

فراغ دستوري

وبحسب قانون العقوبات المعمول به في الأراضي الفلسطينية يترتب على الطبيب الذي ثبت وقوع إهمال منه، ثلاثة أنواع من المسؤولية: مسؤولية تأديبية تفرضها الجهة التي يتبعها الطبيب مهنيا أو وظيفيا، كنقابة الأطباء أو وزارة الصحة، ومسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية تفرضهما المحكمة بناء على طلب النيابة العامة، أو مطالبة المتضرر أو ورثته.

النائب العام المستشار محمد عابد ذكر أن الأمور من الناحية الفنية تخضع للوزارة إذا كان هناك خطأ طبي ، داعيا كل من يشعر بوجود خطأ طبي أو ضرر لحق به عليه أن يتقدم بشكوى للنيابة العامة .

ولفت إلى أن النيابة بدورها تحيل الشكوى لوزارة الصحة للموافاة بملف التحقيقات وتوصيات اللجان الطبية التي خرجت بها ثم يلاحق من ارتكب الخطأ الطبي او تسوى القضية بدفع التعويضات وجبر الضرر.

وأفاد عابد بوجود شكاوى تصل النيابة العامة بإدعاء وجود خطأ طبي وهي بدورها تحرك الدعوى باسم المواطن وتخاطب جهات الاختصاص إذا ثبتت صحة الادعاء.

وبين أن تقدير العقوبة يترك للمحكمة ما لم تكن هناك إجراءات تأديبية من قبل المؤسسة أو أية إجراءات عقابية أخرى, حيث تختلف العقوبات حسب حجم الإهمال الطبي.

ومن جانبها أكدت ميرفت النحال محامية مركز الميزان في غزة على أن الشكاوي التي تصل المركز على وزارة الصحة قليلة, إلا أن الشكاوى الخاصة بقسم الولادة غالباً ما تكون حول الإهمال الطبي و عدم الاهتمام والعناية بالحالات التي تصلهم ما يسبب مضاعفات للحالة, موضحة أن هذه الشكاوى قليلة نظرا لان المواطنين يفضلون اللجوء إلى الوزارة وفي حال عدم تجاوبها يلجئون للمراكز الحقوقية.

وأما عن الإجراءات القانونية التي يتخذها المركز في هذه الحالات قالت يقدمون شكوى  رسمية إلى وزير الصحة وفي حالة وجود شبهة بوقوع خطأ طبي يطالبون بفتح تحقيق, مضيفة: "في كثير من الحالات يتم فتح تحقيق ويسمح لمحامي المركز أيضاً أن يحضره, إلا انه في الغالب تفضي نتائج التحقيقات إلى عدم مسئولية الطبيب والوزارة عما حدث للحالة, وتصر الوزارة على انه تم التعامل مع الحالة بالشكل اللازم والقانوني".

وحول العقوبات التي يفرضها القانون في حالة وجود خطأ طبي لفتت الحال إلى أن القانون الفلسطيني لم يتطرق للأخطاء الطبية بشكل واضح ومباشر وهو ما أدى إلى وجود فراغ دستوري وتشريعي في هذا الجانب, موضحة أن وزارة الصحة تقدمت بمشروع قانون للمجلس التشريعي للتصديق عليه, حيث يوضح المشروع الخطأ الطبي والجهة المسئولة عنه وعلى من تقع مسئوليته.

المواطن يتهاون

وفي ذات السياق ذكر صلاح عبد العاطي مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بغزة أنهم يطلبون من المواطنين بتقديم شكواهم لجهة الاختصاص وهي دائرة الشكاوى في وزارة الصحة من حتى تفتح تحقيقا مهنيا ومن ثم مساءلة الطاقم الطبي الذي أجرى العملية واشرف على الحالات عن أي خطأ طبي ثبت وقوعه.

وبين أن المواطن بعد مضي فترة من الزمن وفي حال تقاعس الوزارة يستطيع متابعة شكواه من خلال متابعة شكواه مع مؤسسات حقوق الإنسان، مبينا أن معاقبة المخطئين تقع على عاتق ثلاثة جهات، الأولى تأديبية تقررها نقابة الأطباء ووزارة الصحة ، والثانية جنائية تقوم بها النيابة العامة بتقديم من يثبت تورطه للمحكمة المختصة وتطبيق القانون الساري والثالثة الحق المدني والتعويض .

ويرى عبد العاطي أن المشكلة تكمن في تأخر بعض لجان التحقيق وعدم ظهور بعض النتائج ، علاوة على عدم  الرد أو أن المواطن ذاته لا يلجأ لمتابعة شكواه ولا يلجأ للنيابة .

وأوضح أن عدد الشكاوى الذي يرد ليس دلالة على توافر سلامة مهنية او عدم وجود أخطاء طبية ، لافتا إلى أن الأخطاء الطبية تقع في كل أنحاء العالم لكن هناك نسب مقبولة ونسب غير مقبولة.

وذكر عبد العاطي أن العقوبات تتحدد حسب حجم الاهمال الطبي لافتا إلى أن العلاج يتمثل بعدم التلاعب بأرواح المواطنين وإجراء التغييرات المناسبة على الطواقم الطبية وتزويد المستشفيات بالأجهزة والكادر الطبي اللازم وتعويض المواطنين عن الأضرار، مطالبا بضرورة توفير ثقافة طبية لعدم وجود ثقة من المواطنين بالأطباء لاختلاف التشخيص ونقص الأجهزة والأدوية بسبب الحصار والانقسام .

وبحسب عبد العاطي فإن عدد القضايا التي تذهب للنيابة العامة قليلة جدا ولذلك لا يجري تعويض أو محاسبة جدية ، وطالب المواطنين بمتابعة شكواهم مع جهات الاختصاص بهدف التثبت أصلا من وقوع خطأ وذلك وفق معايير مهنية وعلمية .

وذكر أن قضية واحدة فقط في الضفة الغربية وغزة عرضت على النيابة العامة التي حكمت بتعويض المريض تعويضا عادلا.

شكاوى قليلة

من جهته أشار رأفت كراز مدير دائرة الشكاوى بوزارة الصحة أن استلام الشكوى من المواطن يكون خطيا وبعدها يتم مخاطبة جهات الاختصاص في الإدارة العامة للمستشفيات أو الرعاية الأولية ومن ثم تتابع الشكوى من قبل فريق المتابعة في دائرة الشكاوى.

ونوه إلى أنهم بعد الرد على الشكوى وبناء على المكاتبات يقيمون الشكوى فإذا كان هناك خطأ طبي ترفع التوصيات للوزير لتشكيل لجنة تحقيق في حال استدعى الأمر ذلك.

وحول المدة التي تستغرقها الشكوى للرد عليها قال :ليس كل الشكاوى متشابهة فبعضها يستغرق أشهرا وبعضها أسابيع, كما أن التأخير أحيانا يعود لأسباب فنية فبعض لجان التحقيق بعد تشكيلها يكون أحد أعضائها خارج البلاد فتضطر اللجنة لانتظاره .

وقال كراز: "تشكيل اللجنة يحتاج لوقت والتأخير عادة ما يكون روتينيا وليس متعمدا, موضحاً أن الشكاوى التي تصلهم لقسم الولادة لا تعد كبيره بحجم الضجة الإعلامية التي تثار حولها, حيث أنه من بداية عام 2009 حتى اللحظة لم تقدم سوى 15 شكوى ثلاث منها فقط ثبت فيها اهمال طبي.

وفيما يخص الشكوى التي تقدم بها البنا فقد شدد على  أن الأخطاء الطبية واردة وتحدث في كل دول العالم, موضحًا أن المشكلة في حالة البنا أن حالة الولادة جاءت في فترة العيد والتي عادة يكون عدد الأطباء فيها  مقلصا لكن لجنة التحقيق هي التي تقر في النهاية.

وشدد على انه بعد شكوى البنا تم اتخاذ إجراءات لعدم تكرار الأخطاء وتم زيادة عدد الأطباء في كل الأوقات خاصة في الفترة الليلية والتي غالباً ما تشهد أكبر نسبة من حالات الولادة, بالإضافة إلى زيادة عدد الأسرّة.

ويظهر آخر تقرير أصدرته دائرة الشكاوى أنها تلقت 128 شكوى صحية من شهر يناير وحتى يونيو من العام الحالي من مختلف الأقسام أنجز منها 79 قضية فيما يجري متابعة القضايا الباقية .

تصحيح المسار

الدكتور حسن خلف وكيل وزارة الصحة قال إن وزارته تنظر بمسئولية لهذه الشكاوى وتشكل لجان تحقيق كما تمت مساءلة الطواقم الطبية والإدارية وتم تشكيل لجان تحقيق في الوزارة .

وذكر أن غالبية الشكاوى لا يكون فيها تقصير فني وإنما التقصير في التواصل مع المواطنين وفي شرح ملابسات الواقع لهم موضحا أنهم نتيجة لاقترابهم من مشاكل الولادة وضعوا أيديهم على بعض جوانب الخلل والتي لم تكن سببا مباشرا في حالات الوفاة .

وأكد أن الحالات التي ثبت فيها تقصير اتخذت الوزارة إجراءات عقابية ضد المقصرين ، مبنيا أنها خلال الثلاث سنوات الماضية، شكلت 96 لجنة تحقيق منها سبعة عشر لجنة في العام  2008 ، واثنان وأربعون لجنة للعام  2009 ، بالإضافة لستة وأربعون لجنة خلال العام الجاري وكان الوزير هو من يتخذ العقوبات بحق المقصرين.

وبحسب خلف فإن العقوبات تتخذ على حسب الجرم المثبت وتصل لإيقاف الطبيب لمدة ستة أشهر مع التنبيه بالفصل لو تكرر الخطأ، وعقوبات المنع من العمل الخاص لعدة أشهر بالإضافة لتنزيل رتبة الطبيب الفنية علاوة على خصم في الراتب .

ويرجع خلف عدم إظهار نتائج التحقيقات بشكل علي إلى عدم وجود قانون طبي جنائي في فلسطين ولخشيتهم أن يساء تفسير الرأي الفني وتؤخذ القضية بشكل عائلي انتقامي  ولهذا تتحمل الوزارة عبء العقاب وتصحيح المسار وتحسين الخدمة .

وشدد وكيل الوزارة أن كل شكوى تصل لمكتب الوزير تجد طريقها ويتم الاهتمام بها فبداية يكلف مدير دائرة الشكاوى بدراسة الشكوى والنزول ميدانيا لإعطاء رأي مبدئي ومن ثم تتابع القضية.

وأكد أن أقل من ثلث القضايا التي تشكل فيها لجان تحقيق تقرر وجود تقصير فني، بالإضافة إلى أن ثلثها الآخر توضح وجود تقصير إداري والنسبة المتبقية تظهر عدم وجود تقصير، مبينا انه على مستوى العالم الخطأ الطبي هو المسبب الثالث للوفاة بعد أمراض القلب والسرطان.

ولفت إلى أن تقارير صادرة من السعودية تشير إلى أن مشاكل النساء والولادة تمثل 27 % من قضايا الإهمال الطبي هناك .

وحول السبب في أن غالبية الأخطاء تكون بأقسام الولادة وخاصة الشفاء ذكر أن الولادة من الأمور الطارئة وفيه احتمالات الخطأ والصواب ، بالإضافة إلى أن العبء الملقى على مستشفى الولادة بغزة كبير فهو الوحيد من بيت حانون إلى وادي غزة .

ويتابع : كما أن أعداد الولادات تبلغ خمسين ألف مولود سنويا أي بمعدل خمسين ولادة يوميا من بينها من 15 إلى 20 ولادة قيصرية، ومن يقوم بكل ذلك العمل هم فقط 66 طبيبا فالعمل كبير على عدد محدود من الأطباء، علاوة على توقف خدمة الولادة في عيادات وكالة الغوث.

وأشار إلى زيارات في قامت بها الوزارة لقسم الولادة للوقوف على بعض المشاكل من ضمنها قلة عدد الأسرة مقارنة بحجم العمل وإعادة النظر في جداول الأطباء وتواجدهم في المستشفى وخاصة الأخصائيين، لافتا إلى جداول جديدة بدأ العمل بها منذ الأحد الماضي تقضي بزيادة عدد المتواجدين خاصة بعد الدوام الرسمي وزيادة عدد الأخصائيين الذين يبقون بعد الدوام .

واستنكر خلف المكلف بعمل الوزير التصرفات الخاطئة التي تصدر عن بعض الممرضين والأطباء، موضحا أن الوزارة أكدت على العاملين حسن معاملة المرضى وسيتم متابعة ذلك عن قرب.

وأكد على تحسن كمي ونوعي في الخدمات المقدمة من وزارة الصحة مقارنة بالأعوام السابقة ، موضحا أن مهنة الطبيب كأية مهنة لا تستطيع الوزارة  كشف خباياها لوسائل الإعلام ويبقى لكل مهنة أسرارها.

وانتقد خلف الهجوم المستمر على وزارته من قبل وسائل الإعلام والتي تصل في الكثير من الأحيان لحد تشويه صورة بعض الأطباء بشكل متعمد بالرغم من أن أدائها أفضل بكثير من الدول المحيطة في ظل إمكانات محدودة، ووعد بقبول أي نقد للوزارة كما أن الوزارة تحرص على تصحيح مسارها عند أي خطأ ترتكبه.

ويبقى ملف الإهمال الطبي مفتوحا, يحتاج الى تغريز وانغلاق، فبالرغم من أن ضحاياه توفوا  قضاء وقدرا, إلا أن لكل قضاء سبب , فمتى يشخص هذا السبب؟!

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00