التصعيد ضد إيران: رهانات نتنياهو السياسية

د.صالح النعامي

يهدف رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو من التصعيد غير المسبوق ضد إيران وحزب الله والحشد الشعبي في كل من سوريا والعراق ولبنان إلى إحباط فرص حدوث تقارب بين إيران والولايات المتحدة يفضي إلى تسوية الخلاف بينهما بشأن الاتفاق النووي.

ما أثار حفيظة نتنياهو هو إعلان الرئيس الفرنسي عموانئيل ماكرون عن أن لقاء يمكن أن يتم تنظيمه بين الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في الأسابيع القريبة القادمة، وأصابه بالجنون.

ويرمي التصعيد العسكري الأخير إلى توفير بيئة يصعب معها على ترامب إحداث تحول على الموقف من إيران، سيما عشية الحملة الانتخابية التي يخوضها لإعادة انتخابه للرئاسة.

ويشبه التصعيد الصهيوني الأخير ضد إيران وحزب الله عمليات التفجير والتخريب التي نفذتها (إسرائيل) في مصر في خمسينيات القرن الماضي، بهدف إحباط فرص التقارب بين الدول الغربية والرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، حيث أن رئيس الحكومة الصهيوني ديفيد بن غوريون في ذلك الوقت رمى من وراء تنفيذ هذه التفجيرات التي كانت تستهدف المصالح الغربية في مصر إلى تجفيف بيئة التقارب بين عبد الناصر وقادة فرنسا والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

ويبدو نتنياهو مصمما على إحباط الجهود الفرنسية الهادفة إلى جسر الهوة بين الموقفين الأمريكي والإيراني بشأن الاتفاق النووي، مما جعله لا يتردد في التصعيد حتى بثمن المخاطرة باندلاع مواجهة مع حزب الله.

ويشعر نتنياهو بقلق كبير إزاء ما يمكن أن تسفر عنه الجهود الدبلوماسية التي تبذل حاليا للتوصل لاتفاق نووي جديد، خشية ألا يلبي هذا الاتفاق الشروط التي ترى (تل أبيب) أنها تستجيب لخارطة مصالحها الاستراتيجية، حيث أن نتنياهو يرمي إلى دفع طهران للموافقة على التخلي عن ترسانتها الصاروخية ووقف دعمها لمنظمات في حالة عداء ومواجهة مع الكيان الصهيوني.

ومما يسوغ شعور نتنياهو بالقلق حقيقة أنه وضع على رأس أولويات سياسة (إسرائيل) الخارجية العمل على إضعاف إيران وتكريس عزلتها في الساحة الدولية، إلى جانب فرض العقوبات الاقتصادية ومحاولة ابتزازها بإطلاق التهديدات العسكرية.

ويلمس نتنياهو مؤشرات التحول على موقف ترامب من العلاقة مع إيران، سيما في أعقاب تأكيد الأخير حرصه على التوصل لاتفاق مع طهران، حيث أن ما يفاقم الأمور سوءا بالنسبة لرئيس الوزراء الصهيوني حقيقة أن التحركات الدبلوماسية والسياسية للتقريب بين طهران وواشنطن تتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية التي يتنافس فيها من موقف ضعف.

ففي حال حدث ما تخشاه (تل أبيب)، وعقد لقاء بين ترامب وروحاني، فإن هذا سيمثل إحراجا كبيرا لنتنياهو وسيظهره أمام العالم على أنه زعيم ضعيف، إلى جانب أن هذا اللقاء سيمثل ضربة قوية للعمود الفقري للحملة الانتخابية لحزب الليكود الذي يقوده، حيث يحاجج الحزب بأن نتنياهو نجح في توظيف علاقته بترامب في تحقيق المصالح الإسرائيلية بشكل لم ينجزه أي زعيم إسرائيلي سبقه.

ويخشى نتنياهو أن يسهم أي لقاء بين روحاني وترامب في المس بحظوظه الانتخابية، مما جعله يعارض بشدة إجراء أي مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران، حيث يجاهر بتفضيله مواصلة فرض العقوبات الاقتصادية.

نتنياهو معني فقط بأن تسهم العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية في انهيار نظام الحكم الإيراني أو على الأقل أن تعمد طهران للتراجع عن مواقفها وتقبل بالإملاءات الإسرائيلية والأمريكية.

ومما رفع منسوب القلق لدى نتنياهو حقيقة أن كل المؤشرات تدلل على أن ترامب غير حريص على مواجهة عسكرية مع طهران حتى بعد أن أسقطت طائرة التجسس الأمريكية.

على الرغم من أنه من السابق لأوانه معرفة مدى تحقق مخاوف نتنياهو من إمكانية التقارب بين إيران وطهران، إلا أن هذه المخاوف تشي ببؤس رهان بعض أنظمة الحكم العربية على ترامب وإدارته، فإن كان الكيان الصهيوني الذي يرتبط بعلاقات استراتيجية حقيقية مع إدارة ترامب يبدي كل هذه المخاوف، فما بالك ببعض الأنظمة التي وضعت كل بيضها في السلة الأمريكية.