ناصر البحيصي.. توفي بعد ساعات من استلام شهادته الجامعية

نصر البحيصي
نصر البحيصي

الرسالة- رشا فرحات

محدقا في السماء، حيث السقف يفصل العين عن النجوم، والسرير الأبيض يفصل الجسد الممدد عن العالم، يمنع الحركة ما يستطيع، وحادث في لحظة طفولة يفصله عن حياته فجأة فيحدق في الباب البعيد ولا يقوى على خطوة واحدة تجاهه.

هو هنا منذ كان ابن ثماني سنوات! اثنا عشر عاما عاشها الشاب ناصر البحيصي، الذي بدأت الأيام تتشابه في عينيه، الأمس كاليوم، وكما أول أمس، وكما سيكون بعد أسبوع، وكما كان قبل عام، كلها قصة واحدة، وجع واحد، وأطراف ممددة على ذات السرير، تنتظر شيئا ما، ربما يغير الأقدار، أو لا يغيرها، حتى كف ناصر عن عد اللحظات، وتقليب صفحات الأيام، وبدأ يتعامل مع الوجع كأي مثابر رأى أن التحدي هو الوسيلة للاستمرار، ولا مفر من مواجهة هذا السرير، والكف عن انتظار المجهول.

قبل اثنا عشر عاما، رقد ناصر هنا على سرير المرض، يصاحبه سقف غرفة بيضاء وجدران، بينما يتمدد أنبوب التغذية من حنجرته، جراء حادث سير واصابة في الفقرة الثالثة والرابعة أدت إلى شلل في كل أطرافه.

ولكنه هو أيضا ذلك الشاب النائم ذات النومة هو من نجح متفوقا في امتحانات الثانوية العامة بعدها بأربعة أعوام، حاصلا على معدل 85% فكيف كان شكل هذه الإرادة وحب الحياة في قلب ذلك اليافع؟! بصوت مختنق، عبر ناصر عن فرحته في تلك اللحظة، ممتنا، غير ناظر لمرحلة العجز التي وصل اليها، موزعا الحلوى التي لم يعد من حقه أن يأكلها، على المارين على غرفته مهنئين بنجاحه، وهو الذي لم يتذوق طعم الفرح منذ اصابته بالشلل الرباعي جراء حادثه.

أمه التي كانت تقف إلى جانبه ممتنة للإرادة ورحمة الله، لا تستطيع أن تفسر ابتسامة ناصر وفخره بنفسه واصراره على الحياة والدراسة ورغم قلة العلاج وإمكانياته في غزة إلا أنه يتمتع بالمعنى الحقيقي للأمل، وقد كان يحلم بزراعة خلايا جذعية قد تعطيه بعضا من أمل في الحركة ومتابعة حياته.

وبعد أربع سنوات من قرار دخول كلية الشريعة والقانون تخرج ناصر الخميس الماضي، بمعدل جيد جدا، يرتدي طاقية التخرج على ذات السرير، انها أربع سنوات قد مرت، دراسة وكد، لا تشبه دراسة أي طالب آخر، ولك أن تتخيل كيف يمكن أن تقلب تلك اليد صفحات كتاب وهي لا تقوى على الحركة، وكيف يمكن لتلك الحنجرة أن ترد نصوصا قانونية وشرعية وتحفظ عن ظهر قلب وهي لا تقوى على التنفس كما الآخرين، وكم من يد رحيمة أحاطت ناصر ودعمته، ودفعته للاستمرار والمثابرة، حتى باتت الابتسامة لا تفارقه، والإرادة مرسومة على ملامحه.

تضحك لك الدنيا فجأة يا ناصر ويدخل إلى غرفتك طاقم كامل من أساتذة جامعة الأزهر يرأسه الأستاذ الدكتور عبد الخالق الفرا رئيس الجامعة، والأستاذ الدكتور صادق أبو سليمان نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، والأستاذ الدكتور محمد نجم عميد كلية الشريعة؛ يقطعون ممرات مستشفى شهداء الأقصى وصولا إلى غرفة ناصر حاملين شهادة التخرج الخاصة به، فخورين جدا بهذا الإنجاز غير الاعتيادي.

ولعل ابتسامة ناصر المليئة بالأمل هي ما جعلت صوره تنتشر يوم الخميس الماضي وهو يرتدي زي التخرج، ويقف إلى جانبه أساتذته الفخورين جدا بإنجازه، وهو يقول: " التعليم بالنسبة لي هو استمرارية الحياة، وأنا عملت كل اللي عليا" ولكن، لعل الحياة توقفت هنا بتلك الجملة، وهل يا ترى انتهى دور ناصر هنا، ولعل رحمة الله هي التي انتشلته من عذابات لا يعلمها إلا من شعر بها، فانتهت حكاية ناصر برحيله المفاجئ يوم الجمعة، رحيل أنهى رحلة معاناة عمرها أربعة عشر عاما، رحيل هادئ يشبه نومته، رحيل بدون ضجيج، رحيل الطالب المعجزة.