قائمة الموقع

قيام رمضان والتعبئة الروحية

2010-09-08T10:26:00+03:00

بسم الله الرحمن الرحيم

  مقال د. سالم سلامة

قال تعالى : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:16)  وقال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء:79)

     لقد أكرم الله هذه الأمة الإسلامية رغم قصر عمر أبنائها - فأعمارهم ما بين الستين والسبعين ، وقليل منهم من يتجاوز – ورغم قلة أعمالهم ، جعل لهم من الثواب المضاعف أضعافاً كثيرة ، حتى تفوق في المكانة والمقام غيرها من الأمم يوم القيامة ، كيف وقد قال النبي ( كما روى عنه عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ ( قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ( مُضِيفٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ يَمَانٍ إِذْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى قَالَ أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".وفي حديث آخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ قَالَ فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ قَالَ فَيَقُولُونَ فَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ قَالَ فَقَالَ النَّاسُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( أَفَلا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَكَبَّرَ النَّاسُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ." رغم أن أمة الإسلام آخر الأمم في الزمان إلا أنها أول الأمم في المقام عند الباري عز وجل . ولهذا شرع لها من الأعمال ما يرفعها ويؤهلها لتكون كذلك . ومن هذه الأعمال قيام الليل ، وخاصة في رمضان . فقيام الليل في رمضان كما قال حبيبنا المصطفى ( :"مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ." وهكذا إذا تفضل الله بغفران الذنوب لعباده ، فلا يبقى لهم إلا الحسنات التي يتقربون به إلى الله تعالى ، فيخرجون من الدنيا كيوم ولدتهم أمهاتهم ليس عليهم شيء ، وتبقى حسناتهم كاملة مضاعفة لهم ، بالإضافة إلى كرم الله والذي تكفل بإبدال السيئات إلى حسنات لمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً .

     ولما ترى الأمة الإسلامية أن حبيبنا المصطفى ( كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فحق لها أن تبادر إلى قيام الليل لما فيه من كرامة ، ومسابقة إلى رضا الله ومسارعة ومسابقة الغير في ذلك كما قال تعالى : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133)

 فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ( كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ." وهذا ديدن النبي ( في العشر الأواخر من رمضان كما ورد في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ." وهو قدوتنا ، وهو الذي غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر ، فنحن أحوج ما نكون إلى أن نتأسى بسنته ( .

     ومن حرص النبي ( على إعلاء درجة أمته أن يرشدهم إلى قيام الليل ، هذا الذي يرفع الله به الدرجات ، ويكفر به السيئات ، ويضاعف به الحسنات أضعافاً كثيرة ، فقد ثبت عن النبي ( قوله رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ." وما ذاك إلا لحرص النبي ( على سبق أمته لبقية الأمم ، وحيازها على الدرجات العلى عند الله سبحانه وتعالى .

     وقد كان المصطفى ( يتفقد أحوال صحابته روحياً وعبادة ، وذلك عن طريق سؤالهم عن أعمالهم الليلية من قيام ليل ، وقراءة قرآن وتهجد ودعاء وابتهال إلى الله خاصة في ساعات السحر – ساعات ما قبل الفجر - فقد ثبت في الحديث عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ( إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (  فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ( فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ قَالَ فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَمْ تُرَعْ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( فَقَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلا ." وهذا دليل على أنه ( كان يسأل عن عبادة أصحابه لربهم سبحانه وتعالى ليلاً ، وخاصة عن قيام الليل الذي يجعل المؤمن منير الوجه ، صحيح البدن ، طيب النفس . كما كان يرشد أصحابه إلى قيام الله وعدم التواني في ذلك ، وعدم التأخر عنه مهما كان الأمر ، لأن التأخر عنه تأخر عن صفوف الصالحين، روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ( يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ." فترك قيام الليل اعتبره النبي ( مذمة في حق الصحابي والذي ستره رسول الله ( من عدم ذكر اسمه ، لأن النبي ( يريد من صحابته أن يهتبلوا ساعات الإجابة ، حيث يكون الناس نائمين ، وصحابته قيام يدعون الله ، ويتقربون إليه بما يحب ، وستر اسم الصحابي كي يساعده في العودة إلى قيام الليل دأب الصالحين . وحتى يكون ذلك معيناً له على العودة بشغف إلى قيام الليل والذي فيه ساعة استجابة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه الله إياه . عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ( يَقُولُ إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ." فكيف يغفل المسلم عن هذا الخير العميم ؟! إنها في كل ليلة ، وهذا مدعاة لأن يكون القيام في كل ليلة ، وليس في رمضان فحسب ، فإذا اعتاد الإنسان على قيام الليل ، حتى يصبح جزءاً من كيانه ، لا يستطيع الاستغناء عنه ، عندها يكون قد سلك نفسه في سلك القوامين التائبين العابدين المقبولين إن شاء الله ، ما دام القيام ليلاً ، ولا يريد بذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى ، ويكثر الدعاء والاستغفار والتذلل لله رب العالمين ، فقد ثبت عن النبي ( في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن جابر ( قال : سئل رسول الله ( أي الصلاة أفضل ؟ قال : " طول القنوت ." أي الدعاء والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى .

     كما أن النبي ( علم صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين كيف يقومون الليل ، فيبدؤون ذلك بصلاة ركعتين خفيفتين لافتتاح القيام ، حتى ينشط الجسد لاستقبال عبادة الليل والتي هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً كما قال تعالى : (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) (المزمل:6) ولقوله صلي الله عليه وسلم : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ " وهو ما كان يفعله ( كما تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها : " قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ."

     كما ثبت من شدة حرص النبي ( على قيام الليل تعليماً لأمته ألا يتركوه مهما كان السبب ، فإن كان بالمسلم وجع أو مرض أو غيره ، ولم يستطع قيام الليل تلك الليلة ، فليصل من النهار بدلاً من ذلك فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً . وهذا يدل على ما لقيام الليل من أهمية في حياة المسلم ، إلى درجة أن النبي ( اعتاد على ذلك وكان القيام في حقه ( فرضاً ، وهو حريص على أن تحوز أمته قصب السبق من بين الأمم الأخرى . فهل هناك تعبئة روحية ، معنوية تحبب الناس بربهم ، وتجعلهم يقبلون عليه بكليتهم ، معتمدين عليه في كل ما يقومون به من أعمال خيرية وجهادية حتى نصرهم الله على قلة عددهم وقلة عُددهم ، (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران:126) . ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

اخبار ذات صلة