موسم التوبة وأعمال البر

قال الله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم : 8]

وقال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء : 17]

التوبة إلى الله سبحانه وتعالى واجبة على المسلم كل يوم ، إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل مواسم للخير تضاعف فيها الحسنات ، وتغفر فيها الزلات ، كما جعل أماكن مقدسة مطهرة يحب أن يأتيه عباده فيها مذعنين تائبين ، فيغفر لهم ذنوبهم ، ويتقبل فيها توبتهم . ومن هذه الأزمان شهر رمضان ، والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة ، ويوم عرفة خاصة ، والعشر الأوائل من شهر الله المحرم ، وكذلك الأماكن المقدسة التي يحب الله أن يأتيه عباده فيها هي بيته الحرام ، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ، ومسجد قباء ، ومساجد الله قاطبة وهي بيوت الله وهي أطهر بقاع الأرض ، فمن زار الله سبحانه وتعالى في بيت من بيوته تفضل  الله سبحانه وتعالى بأن جعل إكرامه حقاً على نفسه ، أليس حقاً على المزور أن يكرم زائره ؟!

وقال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى ، لا تتعلق بحق آدمي ، فها ثلاثة شروط : أحدها : أن يقلع عن الذنب . والثاني : أن يندم على فعلها . والثالث : أن يعزم على ألا يعود إليها أبداً . فإن فقد أحد الشروط الثلاثة لم تصح توبته . وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة المذكورة آنفاً ، والرابع : أن يبرأ من حق صاحبها . فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه ، مكنه منه أو طلب عفوه ، وإن كانت غيبة استحله منها . ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي .

وقد تظاهرت الأدلة على وجوب التوبة سريعاً لأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الموت . فيجب عليه أن يكون مستعداً في كل لحظة . وكم من الناس كانوا معنا في رمضان الماضي ، وهم اليوم في الدار الآخرة ، فلتغتنم فرصة حلول شهر التوبة ، شهر الصيام والذي يقبل فيه الناس على ربهم أكثر من أي أيام أخر .

ولنعلم أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده ، وقد ضرب لنا رسول الله ( عليه وسلم في الحديث الصحيح عن هذه الفرحة قائلاً في الحديث الذي رواه أبو حمزةَ أنس بن مالكٍ الأنصاريِّ- خادِم رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم (  قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : (( للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ ". مُتَّفَقٌ عليه .

وفي رواية لمُسْلمٍ : (( للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا((3)) ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ : اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ )) .." وهذا الحديث يدل دلالة قاطعة على ان ما يقوله الانسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يآخذ به .

ومن رحمته سبحانه وتعالى بعباده أن جعل باب التوبة مفتوحاً إلى قيام الساعة ما لم يغرغر الإنسان أي تبلغ روحه الحلقوم لقوله سبحانه" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء : 18]"

بل إن الله سبحانه وتعالى يتحبب إلى عباده بأن يناديهم في كل يوم ليلاً ونهاراً ويبسط يده ليلاً ونهاراً ، يبسط يده للمسيئين ليتوبوا ليلاً ونهاراً، فقد أخرج الإمام مسلم عن أَبي موسى - رضي الله عنه - ، عن النَّبيّ – ( قَالَ : (( إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ ، حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))."وطلوع الشمس من مغربها من  علامات الساعة الكبرى ، وهذا يعني أن باب التوبة مفتوح للعبد ليتوب في أي ساعة من ليل أو نهار .

وعلى الإنسان المسلم ألا يجعل للشيطان سلطاناً عليه بأن ييئسه من التوبة ، أو يقنطه من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، والله يقبل توبة عبده ولو جاءه بقراب الأرض خطايا ثم جاء لا يشرك بالله شيئا جاءه رب العز والجلال جاءه رب العز بقراب الأرض مغفرة

     وليكن أملك في الله كبيراً ، ولا تصغ إلى وسوسة الشيطان وتسويفه فإنه عدوٌ لك وبادر بالتوبة وأقبل على الله بها كي يقبل عليك برحمته ولا تقنط من رحمة الله ومن قبول التوبة مهما كثرت معاصيك فقد ثبت في الحديث الصحيح

فأقبل على الله سبحانه وتعالى وأنت موقن بالقبول والإجابة ما دمت مخلصاً في توبتك ، آيباً إلى ربك ، مقبلاً  على الأعمال الصالحة ، تاركاً الأعمال الطالحة . والله يقبلنا ويقبلكم . اللهم آمين .