لم يكن اتجاه محمود عباس رئيس سلطة حركة فتح لقرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي مستغربا، إنما يدفع للتساؤل عن أسباب اختيار هذا التوقيت لتنفيذ القرار الذى جرى التهديد به منذ أشهر طويلة.
وتجتمع عدة عوامل سياسية قد تكون سببا في تشكيل اتجاه عباس في الوقت الحالي، أهمها التخوف من استمرار العمل المقاوم بالضفة مما يقوض سيطرة السلطة بشكل يهدد وجودها، وهذا ما عبر عنه عباس بأن سلطته المتضررة من العمليات الأخيرة والتي أحدثت ضجةً أمنية وسياسية في الضفة المحتلة بعد فترة من الهدوء.
كما يضاف لما سبق، نشاط المجلس التشريعي في المرحلة السياسية الأخيرة، وعودة نواب التيار الإصلاحي في حركة فتح الذي يقوده محمد دحلان الذي يعتبره عباس العدو الأول داخل أروقة الحركة، عدا عن حالة الضعف السياسي التي تعانيه السلطة في الوقت الحالي على الاتجاهات الدولية والإقليمية على حد سواء.
ولا يخفى على أحد رغبة عباس الدائمة في السيطرة الكاملة على مفاصل القيادة، التنفيذية والتشريعية والقضائية كذلك، وهذا ما ظهر بقراراته في كافة ملفات منظمة التحرير وحركة فتح كالمجلس المركزي والوطني وقيادة المؤسسات القضائية والإعلامية أيضا.
وبالنظر إلى سيطرة أبو مازن على المال في السلطة فإنه بات يتحكم في كل شيء مهما كبر أو صغر، وهذا ما ظهر بقراره تشكيل المحكمة الدستورية في أبريل ٢٠١٦، وجلب رئيسها محمد الحاج قاسم من المغرب بعد ٤٢ عاما قضاها هناك، ليقوم بهذه المهمة المتمثلة بحل المجلس التشريعي وغيرها.
وما عجل بتنفيذ هذا القرار الجولة السياسية التي يجريها وفد كتلة التغيير والإصلاح من المجلس التشريعي لعدة دول عربية وإسلامية، بهدف تحشيد الدعم للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وكذلك للتأكيد على شرعية المجلس في الوقت الذي انتهت فيه كل الشرعيات الأخرى بما فيها شرعية عباس، وهذا ما يؤكده السعي الدؤوب الذي أدته سفارات السلطة في عرقلة زيارة الوفد لعدة دول.
ويذكرنا قرار عباس بملف الخلافة على مقعد الرئيس في حال غياب عباس، فإن الرجل لا يريد ذهاب قيادة السلطة إلى رئاسة المجلس التشريعي الذي تقوده حركة حماس بعد فوزها بأغلبية في انتخابات عام 2006، وبذلك يتجاوز عباس القانون القاضي بنقل صلاحياته باتجاه نحو توريث المنصب لمن حوله.
ويشار إلى أن حركة حماس تسيطر على غالبية مقاعد المجلس التشريعي بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية عام 2006، فيما حاول عباس تعطيل عمل المجلس بعد أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2007، ويتكون المجلس التشريعي من 132 مقعدا، تمتلك حركة حماس 76 مقعدا منها، مقابل 43 مقعدا لحركة فتح، و13 مقعدا لأحزاب اليسار والمستقلين.
وفي التعقيب على ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي محمود العجرمي إن قرار عباس جاء في الوقت الذي بات فيه منتهي الصلاحية قانونيا ووطنيا، بعد أن دعم الانقسام الفلسطيني بتفرده بالقرارات على مدار السنوات الماضية، إذ بات خارجا عن الصف الوطني بتوجهه نحو الاحتلال بتخليه عن الثوابت.
وأضاف العجرمي الذي كان يعمل دبلوماسيا في وزارة الخارجية الفلسطينية أنه كلما وصلت المقاومة الفلسطينية إلى مرحلة متقدمة من العمل البطولي اتجه عباس إلى تقديم المزيد من القرارات التي تقربه من الاحتلال في مواجهة الشعب الفلسطيني الذي يجمع على دعم المقاومة لا محاربتها كما يفعل عباس.
وأشار العجرمي في اتصال هاتفي مع "الرسالة" إلى أن قرار حل المجلس التشريعي باطل قانونيا، ولا يمكن تمريره بهذه الصورة الباطلة، بإجماع الكل الوطني وليس حماس وحدها، موضحا أن الاتجاه الصحيح للفصائل الفلسطينية المقاومة والحية التي تعبر عن إجماع الغالبية الفلسطينية يتمثل باتخاذ موقف حازم اتجاه عباس، بما يحافظ على ما تبقى من النظام السياسي الفلسطيني.
ولم يختلف الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة مع سابقه في أن عباس أراد حرف الأنظار الفلسطينية عن قصور السلطة في الدفاع عن أهلنا في الضفة المحتلة، فيما يسعى رجال عباس كحسين الشيخ وشكري بشارة لعقد اللقاءات مع قيادات (إسرائيلية) بهدف معالجة الوضع الذي أوجدته العمليات الفدائية الأخيرة.
وقال أبو شمالة لـ "الرسالة" أن فشل المشروع الأمريكي لإدانة حماس، وفشل (إسرائيل) في لي ذراع المقاومة في غزة من خلال التصعيد الأخير، دفع عباس إلى توجيه ضربة لحماس من باب المجلس التشريعي، إلا أن ذلك كله لن يؤدي إلى تغيير الحقائق التي تؤكد تقدم مشروع المقاومة على حساب فشل مشروع التسوية الذي يقوده عباس.
ويشار إلى أن قرار عباس بشأن حل المجلس التشريعي يواجه رفضا وطنيا من الفصائل الفلسطينية، وكذلك رفضا من الجهات القانونية التي عبرت عن قلقها على مصير التشريع الفلسطيني بأكمله في ظل التغييب القسري للمجلس الحالي، إذ أن الحالة الفلسطينية تتطلب جمعا لهذا المجلس بدلا من حله في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها النظام السياسي الفلسطيني في ظل استمرار حالة الانقسام منذ 12 عاما.
وفي نهاية المطاف، يبدو واضحا أن عباس يسير في طريق لا رجعة فيه نحو عزل قطاع غزة عن الأرض الفلسطينية، وجعله كيانا منفصلا بصورة كاملة، وليس جغرافيا فقط، بما يتوجب موقف وطني عاجل لتدارك الكارثة السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية بأكملها.