تيقن الأطراف المعنية بأحداث غزة أن الأيام القليلة المقبلة قد تحمل تصعيدا عسكريا غير مسبوق، في حال لم ينزع فتيل الانفجار الذي بات قريبا، في ظل انسداد أفق الحل السياسي، وتصعيد الاحتلال ضد المتظاهرين السلميين المشاركين في مسيرات العودة على حدود غزة بشكل شبه يومي.
تصريحات متتالية اضطر أصحابها إليها مؤخرا في أعقاب استشهاد سبعة متظاهرين الجمعة الماضي، تبعتها تسريبات عن تحضيرات لدى المقاومة للرد على الجريمة التي حصلت بحق المتظاهرين، فيما عاد الحراك المصري الساعي لإنجاز اتفاق سياسي للنشاط مجددا، وكانت أبرز التصريحات لوزارة الخارجية الأمريكية، ومبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام نيكولاي ميلادينوف، وكذلك للجنة الرباعية الدولية، فيما تصدر ملف غزة النقاشات الدولية خلال الأيام الماضية.
ما سبق أعاد الاختلاف الحاد في أروقة قيادة الاحتلال، والذي برز من خلال حالة التراشق الاعلامي بين وزراء المجلس الوزاري (الإسرائيلي) المصغر "الكابينت"، وتحميل المسؤولية بين طرفي الحكومة، الأول الداعي لشن عملية عسكرية توقف مسيرات العودة، والآخر المتجه نحو إيجاد حل سياسي تحت مظلة تخفيف الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة، من خلال الجهات الدولية والإقليمية الساعية في هذا الملف.
وهذا ما لخصه الكاتب الإسرائيلي أليكس فيشمان الذي قال في مقال له: "إن السؤال المطروح حيال ذلك هو: ماذا تفعل الحكومة (الإسرائيلية) في مقابل غيوم المواجهة العسكرية الشاملة الآخذة بالتلبّد في منطقة الحدود الجنوبية؟ هل تبذل جهداً سياسياً حقيقياً للتوصل إلى تسوية؟ هل تمارس ضغطاً على السلطة الفلسطينية كي تغيّر موقفها إزاء القطاع وعلى الدول المانحة كي تنقل الأموال إلى القطاع؟ أم أنها كعادتها تنتظر انتهاء الردع وعندها تقوم بتكسير عظام حماس وعظامنا؟".
ويظهر أن التخوف (الإسرائيلي) من أن تحمل الأيام المقبلة تصعيدا عسكريا مع قطاع غزة يتفوق على التخوف الفلسطيني من هذا الاحتمال، بالنظر إلى تأثير ذلك على مظهر حكومة الاحتلال أمام جمهورها، إذ إنها لم تستطع إيقاف مسيرات العودة ووسائلها كالبالونات الحارقة واختراق الحدود بصورة يومية.
وهذا ما لا يختلف عليه الدكتور عدنان أبو عامر المختص في الشأن الإسرائيلي، حينما تحدث عن استمرار تبادل الاتهامات بين (الإسرائيليين) حول ملف قطاع غزة، حيث ما يهمنا كفلسطينيين من هذه المزاودات الرخيصة بينهم مدى تأثيرها على حدود غزة، وإمكانية أن تستفز ليبرمان بزيادة عدوان جيشه، ليدفع عن نفسه تهم الخوف والضعف.
وقال أبو عامر في تعقيب على حالة الاتهامات الإسرائيلية وتأثيرها على التصعيد مع غزة: "قرار المستويين السياسي والعسكري، يذهب باتجاه ضبط الوضع الأمني، وطي صفحة التوتر الحالي، بتهدئة مع حماس، أو تفاهمات إقليمية دولية لتحسين الوضع المعيشي، رغم أن ذلك لا يضمن ألا تذهب الأمور لتصعيد محسوب أو مفتوح، حسب طبيعته وحجمه".
وإثر التصعيد (الإسرائيلي) بحق المتظاهرين السلميين على حدود غزة الجمعة الماضي، أعلنت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية بغزة عن إجراء تشاورات داخلية حول طبيعة الرد على العدوان الإسرائيلي بحق المتظاهرين، مما دفع الاحتلال إلى رفع جهوزيته أكثر مما هي عليه، وساهمت في إيجاد تحركات دولية وإقليمية جديدة في ملف غزة.
وفي التعقيب على ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي حمزة أبو شنب إن ما قامت به الغرفة المشتركة يأتي في إطار التشاور الدائم في آليات وضع حد لانتهاكات الاحتلال بحق الفلسطينيين، خصوصا على حدود غزة، متوقعا أن تكون نتيجة هذه المشاورات بين رد محدود أو إعطاء فرصة للوسطاء من أجل ألا تتكرر هذه التجاوزات بحق المتظاهرين السلميين.
وأضاف أبو شنب أنه لا يتوقع ان تتخذ الغرفة المشتركة قرارا بإطلاق الصواريخ أو الاتجاه لمواجهة شاملة في الوقت الحالي، فيما يقدر بأن يتجه رد المقاومة إلى استهداف جنود الاحتلال استهدافا نوعيا كما جرى في أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية.
وأشار إلى أن المواجهة الشاملة مستبعدة في الوقت الحالي من قبل الاحتلال والمقاومة، لكن الرد النوعي الذي قد تقرره المقاومة لمنع انتهاكات الاحتلال بحق المتظاهرين قد يؤثر بصورة مباشرة على جهود التهدئة التي ترى فيها المقاومة مسلكا مغايرا لا علاقة له بالرد على أي تصعيد إسرائيلي بحق المتظاهرين، أو المقاومة في قطاع غزة.
وفي نهاية المطاف، تبقى الأنظار الفلسطينية و(الإسرائيلية) وكذا الدولية تتجه نحو الجهود المصرية الرامية إلى إيجاد حالة من الهدوء مقابل تخفيف الحصار عن غزة، في الوقت الذي يزور فيه وفد من حركتي حماس والجهاد الإسلامي القاهرة، وكذلك وفد من حركة فتح، فيما تتفق جميع الأطراف على دعم أي جهد يمكن له أن يبعد غيوم التصعيد عن سماء حدود غزة خلال الفترة المقبلة.