قائمة الموقع

وأقبل رمضان

2010-08-16T12:58:00+03:00

أ‌. يوسف علي فرحات

لم يحتف الإسلام بشعيرة من العبادات كما احتفى بصوم رمضان، حتى إنه جعله من خاصة الله تبارك وتعالى ، فهي العبادة الوحيدة التي نسبها الله لذاته العلية . يقول الحق جلَّ وعلا في الحديث القدسي ( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا وأجزي به) . ومعناه أن الله يجزي على الصوم بغير تقدير ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم : ) إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(

وقد ذهب أكثر المفسرين في معنى ( الصابرون ) أي الصائمون . وهذا المعنى أشار إليه حديث البزار ، قال صلى الله عليه وسلم : ( صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر ) .

وقد فسر الصابرون في هذه الآية من قبل أكثر من مفسر من مشاهير المفسرين بأنهم الصائمون.

 و الصائمون أيضاً هم السائحون المذكورون في سورة التوبة ) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون (. وهكذا فسرها ابن عباس وأبو هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والإمام الحسن البصري وعائشة الصديقة رضي الله عنه وأرضاهم أجمعين وكذا فسروا قوله تبارك وتعالي ) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ( قالوا : سائحات أي صائمات . وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالي عنه وأرضاها : سياحة هذه الأمة الصيام .

 وهذه التسمية ليست لغوية والعرب لم يسموا الصائم سائحاً ؟ الله أعلم أنها إشارة إلي أن هذا الصائم معد ومؤهل وحقيق إن صام كما ينبغي على وجه يرضي الله سبحانه وتعالي يكون مؤهلاً للسياحة في ملكوت الله ولكن ليس الصيام كما يتكابده أكثر الخلق ممن لا يتحققون ولا يتجوهرون بسره وجوهره وحقيقته فهم يصومون عن ملذات الطعام والشراب والمناكح لكنهم لا يصومون عن الغيبة عن الكذب عن النميمة عن فحش القول عن الإيقاع بين الناس لا تصوم أعينهم عما حرم الله لا تصوم آذانهم عما حذر الله لا تصوم قلوبهم عما أبغض الله من الحقد والغش والحسد واللؤم ومثل هذه المهلكات الباطنية .

هذه هي مشكلة المتعبدين ليس في هذا الدين الحنيف بل في كل الأديان حين يتحول وخاصة العبادات إلي طقوس والطقوس هي أشكال ورسوم من غير جوهر دون التحقق بجوهر العبادة فهو لا يعرف ما معني أن يصلي , ما معني أن تصوم .

 

وشهر رمضان هو شهر القرآن لذا كان أحب الشهور إلى الله تعالى . وقد شبهه أبو الفرج ابن الجوزي شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله بيوسف بين أبناء يعقوب الاثني عشر ، فقال : " الشهور اثنا عشر شهراً يوسفها رمضان ، وكان يوسف عليه السلام الأحب إلى أبيه من بين إخوانه ، وكذلك رمضان هو الأحب إلى الله من بين الشهور .

والصوم جنة وحصن حصين من النار كما في أحاديث كثيرة من نار جهنم لأنه من أجل العبادات وقد نسبه الله إلي ذاته العلية ولكن لماذا نسب الصوم بالذات إليه ؟ قال الإمام أحمد رضوان الله تعالى عليه الصوم لا رياء فيه . فالله يريد الحقائق منا لا الطقوس والرسوم والمناظر وأين تكمن الحقائق ؟ تكمن في الإخلاص والصدق فإذا أردت أن تعير الناس بمعيار رباني لا يخطئ ، فإنك لا تستطيع أن تعيرهم بمظاهرهم على الإطلاق ولن تفلح لأن هذا المعيار هو أمر يختص بالباطن والقلب كما قال صلي الله عليه وسلم وآله وأصحابه وسلم : (ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام وإنما بِسرٍ وقر في قلبه ) إنه شئ في الداخل الله يعلمه ونحن لا نعلمه وأحيانا تظهر آثاره بلا شك فنرى في الإنسان الذي أمامنا طيبة عجيبة وسلامة صدر غريبة جداً نرى تحسساً لهموم الأمة وأحوال المسلمين فيفرح لفرحهم ويصاب بمصابهم ويحزن لحزنهم يمتلك رحمة غامرة بمن حوله .

الصوم لا رياء فيه لذلك فهو يعمل على تحقيق الإنسان بالإخلاص لذا نسبه الله لنفسه ، وهذا ما يريده الله سبحانه وتعالي منا بالضبط ( فاعبد الله مخلصاً له الدين ) الله يريد منا الإخلاص ، لا يريد الأشكال والرسوم

شرعت دودة القز يوماً في نسج شبكتها فجعلت العنكبوت تتشبه وتقول لك نسج ولي نسج فما ميزتك عني فقالت لها دودة القز : نسجي رداء بنات الملوك ونسجك شباك للذباب . وفي رمضان هذا يصوم وهذا يصوم ولكن أين المخلصون ؟!

لذا يجب أن نتعلم من مدرسة الصيام الإخلاص والصدق ، كيف نريد رصيدنا من الإخلاص كيف نزيد رصيدنا من الصدق مع الله تبارك وتعالي .

وما أحوج الأمة اليوم إلى الصدق والإخلاص ، كيف لا وهي تحتاج إلي النصر والتمكين ولا نصر ولا تمكين إلا بالصدق والإخلاص فهذا أمر لا يمكن أن يفيده لا فيلسوف تاريخ ولا مؤرخ عسكري ولا عقلية سياسية ولا يفهموه أصلاً .

إذن لا نصر ولا عز ولا تمكين إلا بالصدق والإخلاص طبعاً ليس هذا السبب الوحيد ولكنه السبب الرئيس وقد روى النسائي وغير : ( إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها بصلاتهم واستغفارهم وإخلاصهم ) وفي رواية ( بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم ) .

الصيام ليس أداة لمعالجة المسلم كفرد مستقل ومنفصل عن الجماعة والأمة بل هو منهج فردي يؤدى في إطار الجماعة، ليرقى بالفرد المسلم ويجعل منه "إنسان الاستخلاف" ذا الإحساس التام بالأمة وينقل الأمة من الكبوة والجثوم إلى حالة "الإبتعاث الحضاري" والصيام يجزل للأمة العطاء في إحياء مشاعر وحدتها.

 يقول الأستاذ راشد الغنوشي "إن الإسلام مركبة ضخمة تكفلت بانطلاقتها واستمرار اختراقها الفضاءات ومغالبة الصعاب، مجموعة من المحركات الدقيقة المتينة: الصلاة والزكاة والحج والصيام والتلاوة والجماعة والدولة، فإذا عملت جميعها على أفضل صورة كان أداء المركبة عظيما. أما إذا أصاب بعضها عطب فينحط أداؤها بقدر ذلك، ولكنها لا تتوقف عن الحركة، لأن نظام الصيانة سرعان ما يشتغل ) إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ، فيتنادى المصلحون لتلافي العطل، وتندفع المركبة مجدداً قوية فعالة: ( يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) [رواه أبو داود]. ويمثل الصيام أحد أهم هذه المحركات الرئيسية السنوية والمجددة لتلك الطاقات والمشاعر ".

قال الحسن البصري –يرحمه الله- : "إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون.. ثم بكى رحمه الله" .

ما من شك أن النفس في رمضان تختلف عمّا هي عليه في غير رمضان، فرمضان نفحة ربانية من نفحات الله، وفرصة ذهبية إن لم نغتنمها في تطهير النفس وإصلاح القلب فمتى يكون هذا إذن؟! فالنفس في رمضان تكون منكسرة بقلة الطعام والشراب، والشياطين مصفدة ومكبلة.

ولكن.. أين من ينتظر ويشتاق لرمضان لكي يتربى ويترقى؟ أين من يبغي بصدق التغيير الحقيقي في النفس ، ليخرج بهذا التغيير إنساناً آخر كما أراده الله سبحانه وتعالى ؟!

 

 

اخبار ذات صلة