مكتوب: دوافع (اسرائيل) الأمنية والعسكرية من حديث التهدئة

جيش الاحتلال
جيش الاحتلال

رامي ابو زبيدة باحث في الشأن العسكري

في ذروة الانشغال الإسرائيلي بأحداث غزة الجارية، وسيطرتها على النقاش السياسي والحزبي في إسرائيل، ازداد مستوى الحديث حول مستقبل وواقع غزة الملتهب بفعل الحراك الشعبي على حدودها الشرقية وحالة الضغط التي تسببت بها الأطباق الورقية والبالونات الحارقة وما فرضته المقاومة وثبتته من قواعد على الأرض، ورغم الجهود الحاصلة بين غزة والقاهرة والوساطة الأممية وتل أبيب، لكن الأخيرة ما زالت ترى في المقاومة كيانا معاديا يستهدفها، ولا ترى نفسها مضطرة للاتفاق معها على تهدئة قد تعطيها مزيدا من الوقت، تعيد ترميم قدراتها العسكرية، وتلتقط أنفاسها، وتأخذ استراحة محارب، تحضيرا لمواجهة قادمة، و بالتالي هي معنية أن تبقى المقاومة في حالة دفاع عن النفس، وغير مستقرة .

العدو الصهيوني يواجه ورطة استراتيجية حقيقية فيما يتعلق بقطاع غزة, لأنه يتعرض لتهديد حقيقي من قبل المقاومة، وما تشكله من حالة اشتباك مستمر ودائم مع العدو, إلا أنه في الوقت ذاته فإن الحديث عن التهدئة أو "التسكين" في غزة، قد يكون حالة إضراريه تلجأ إليها "إسرائيل" لمجموعة من الدوافع الأمنية والعسكرية التي تجعلها تختار خيار تسكين جبهة غزة لأنه الأقل كلفة مرحلياً واستكمال جهودها العسكرية التي تعتقد أنها ستكبح جماح عناصر القوة التي بيد المقاومة وتعطيها أفضلية في أي مواجهة قادمة .

الدافع الأول هو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى أن الدخول في مواجهة شاملة مع غزة، أن الجيش الإسرائيلي سيجد نفسه أمام تحمل أبعاد أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة للغاية، فقطاع غزة الذي يعيش فيه أكثر من 2 مليون نسمة، وتصل معدلات البطالة إلى 60%، فالفلسطينيون بغزة بحاجة لتوفير خدمات المياه، والكهرباء، والغذاء، والعلاج، والبنى التحتية، والتشغيل، والتعليم، كما يشكك بعض المحللون الإسرائيليون في قدرة الجيش الإسرائيلي على حسم المعركة بسرعة، أو التقليل من فاتورة الخسائر البشرية التي ستقع في صفوفه. والتحذير من أن إيقاع خسائر كبيرة بين صفوف المدنيين الفلسطينيين ستكون له تبعات سلبية كبيرة على إسرائيل من الناحيتين السياسية والقانونية، وتوليد استنكار على المستوى الدولي .

كما أن الدافع الثاني الذي قد يكون له دور، في تسهيل حياة السكان في قطاع غزة، والعمل على تخفيف الحصار بهدف تحييد المقاومة الفلسطينية مؤقتاً، رغبة "إسرائيل" بتسكين جبهة غزة، فهذه البقعة الجغرافية الصغيرة بمساحتها، المكتظة بسكانها، تشغل وتهز أركان كثير من المعادلات السياسية والميدانية والأمنية وبالتأكيد الاقتصادية في المنطقة والإقليم وصولا إلى تأثيرها على العالم بأسره، فدافع تحييد وتبريد جبهة غزة رغبة إسرائيلية للتفرغ لجبهة الشمال وضمان إبعاد حزب الله والحرس الثوري الإيراني من سوريا.

وباعتقادي ان استكمال "إسرائيل" وسائلها الدفاعية والمضادة هو من أهم الدوافع التي قد تدفعها للحديث عن التهدئة، فجيش الاحتلال ما زال يعتبر الأنفاق تهديد جدي على مستوطني غلاف غزة في أي معركة قادمة، محاولاً تحييد هذا السلاح الاستراتيجي للمقاومة ومُصِرًّا على استكمال بناء الجدار، ظناً منه أن ذلك ربما يحدّ من عمل المقاومة في أي مواجهة قادمة، وقد اوردت صحيفة "هآرتس" أنه ووفقا لمسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي من الممكن تعزيز المشاريع الإنسانية في قطاع غزة التي ستؤجل المواجهة العسكرية المحتملة على الأقل حتى نهاية عام 2019 حتى يتسنى للجيش الانتهاء من بناء الحاجز تحت الأرض على طول حدود قطاع غزة.

ومن جهة البحر تعتبر الضفادع البشرية للمقاومة وحدة عسكرية بحرية متخصصة في العمليات القتالية والتكتيكية، وقد أنشأتها المقاومة لمهاجمة العدو، لما تمتلكه هذه الوحدة من إمكانيات متطورة في مستوى التدريب والقدرة على القتال، حيث شرعت وحدة الهندسة في الجيش الإسرائيلي في بناء جدار حديدي في البحر على شاطئ مستوطنة "زيكيم" الواقع شمال قطاع غزة، لمنع أي تسلل مستقبلي للكوماندز التابع لفصائل المقاومة من خلال البحر لذلك هي معنية أيضاً بتحييد الخطر القادم من البحر واستكماله.

بالإضافة للفشل الواضح في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية "القبة الحديدية"، التي تم نصبها أمام قطاع غزة ولم تتصد سوى لعدد محدود جداً من القذائف التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية، في جولات التصعيد الاخيرة ، حيث أقر الطاقم الوزاري للشؤون العسكرية السياسية في حكومة الاحتلال، خطة جديدة، لتمويل شبكة منظومات صاروخية دفاعية، بكلفة 8,3 مليار دولار، تصرف على مدى 10 سنوات، ابتداء من العام المقبل، تهدف الخطة إلى تخصيص موارد بحجم كبير لتعاظم قوة الجيش، وتحصين الجبهة الداخلية كلها من شمال البلاد وحتى جنوبها، وتكثيف منظومة صواريخ الجيش وتطوير وشراء وسائل دفاعية متطورة .

ومن الدوافع العسكرية التي قد تسهم في تسكين جبهة غزة، أن الجيش الإسرائيلي يسعى، في ضوء التغيير الذي حدث في ساحة المعركة، وانتشار الأسلحة المستخدمة (على سبيل المثال: الطائرات بدون طيار)، وبيئة القتال الشبكية، تعزيز حجم القوات الخاصة لديه، ومضاعفة حجم نشاطها ثلاث مرات، فيما يتم تطوير قيادتها لتشبه قيادة العمليات الخاصة في الولايات المتحدة، التي تُدرب وتدير "جيشًا مختلفًا" لا يفكر ولا يعمل مثل الجيش التقليدي. فالقاعدة الجديدة هي جيش محترف يعمل بالتوازي مع "جيش الشعب".

بالرغم من أن القتال سيكون له مكونات تكنولوجية، يعتقد جيش الاحتلال أن الوقائع الميدانية تثبت أهمية وضرورة القوات البرية، وأنه سيكون أهمية للمناورة الأرضية والالتقاء الجسدي للقوات المحاربة، وجهاً لوجه، على الرغم من التغيير الذي حدث بشكل جذري في طبيعة القتال، مثل الحروب السيبرانية والتكنولوجية، ويبقى هناك حد لقوة الآلة، لذا ستستمر مركزية العمليات البرية في التعامل مع التهديدات، وفي ضوء ذلك، وعلى الرغم من الاستثمار في التكنولوجيا، سيكون مطلوباً من الجيش الإسرائيلي الحفاظ على جهد مستمر لتعزيز نظام المناورة الأرضية .

في نظري فإن هذه التداعيات ال في نظري فإن هذه التداعيات الأمنية والعسكرية قد يكون لها دور في قرار المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وتوجهها تحو التخفيف من وطأت الحصار على قطاع غزة، وأستبعد أن تتجه إسرائيل لتهدئة شاملة لمدة طويلة، تمنح المقاومة المزيد من التقاط الانفاس والاستعداد والتطوير، فالإسرائيلي يفكر بقوة المقاومة ماذا سيحدث غداً وبعد غد؟ فصواريخ المقاومة تتطور كماً ونوعاً وقد يتم تجهيزها بمنظومات الحرب الإلكترونية، وأنها انتقلت من مرحلة الرسائل إلى مرحلة النوعية، فإسرائيل تفكر على المدى البعيد ؛ وتهدف لتقليم أظافر المقاومة، وجز ما يمكن جزه من قدراتها وإمكاناتها التي طورتها بعد الحرب، وأنها إن لم تستبق كل تطوير لقدرات المقاومة العسكرية، فإنها ستكون في خطر فبالتالي إسرائيل تجهز نفسها وتستعد لما هو قادم.

فالطروحات التي يجرى الحديث عنها لم تأت على ذكر القضايا الجوهرية القائمة بين المقاومة والاحتلال، سواء ما يتعلق منها بمطالب نزع سلاح غزة ووقف خطوط الإمداد وتحييد الوسائل الهجومية للمقاومة، أو إبرام صفقة تبادل أسرى، وأي اتفاق لا يأتي على ذلك من ناحية الاحتلال الإسرائيلي يعني أننا أمام حلول ترقيعيه باهتة، لن تطول وتستمر كثيراً ، ولنا كفلسطينيين يمكن القول كل الخيارات لا زالت مفتوحة ، في ظل ظروف الحصار الخانق الذين نعيشه، وأنه لا يوجد ما يمكن أن نخسره .