مكتوب: ما وراء تغيير تكتيكات (إسرائيل) في مواجهة حراك العودة؟

صورة ارشفية
صورة ارشفية

د. صالح النعامي   

تدل كل المؤشرات على أن الجولة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوروبا الأسبوع الماضي، وشملت كلا من ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا قد أسهمت في دفع (تل أبيب) إلى تبني التكتيكات الجديدة، التي تهدف إلى تقليص عدد الشهداء والجرحى أثناء مواجهة حراك مسيرات العودة. فقد فوجئ نتنياهو، الذي توجه لبرلين وباريس ولندن لحشد التأييد لموقف (تل أبيب) من الوجود الإيراني في سوريا، بأن القادة الأوروبيين قد بادروا لطرح عمليات القتل التي قام بها جيش الاحتلال ضد المشاركين في حراك العودة ضمن القضايا التي نوقشت في هذه اللقاءات.

فقد طالب وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون نتنياهو بتشكيل لجنة للتحقيق في قتل المتظاهرين. ومن أجل احتواء الانتقادات التي وجهتها الحكومة ووسائل الإعلام الفرنسية قرر جيش الاحتلال إرسال الناطق باسمه رونين ملنيس إلى باريس لمخاطبة مجلس النواب الفرنسي لشرح السياسات التي يتبعها الجيش في مواجهة حراك العودة.

وفي الوقت الذي ترى دوائر صنع القرار السياسي والمؤسسة الأمنية في (تل أبيب) أن التهديدات المنبثقة عن التواجد الإيراني في سوريا أخطر بكثير من تلك التي تمثلها غزة ومناشط حراك العودة، عمدت (إسرائيل) إلى تصميم سياساتها تجاه هذا الحراك لكي لا يؤثر سلبا على قدرتها على تأمين دعم غربي لسياساتها تجاه سوريا؛ سيما في ظل وجود مؤشرات على تباين بين موسكو و(تل أبيب) بشأن التواجد الإيراني هناك.

من ناحية ثانية، فإن التغيير على التكتيكات المستخدمة في مواجهة حراك العودة قد يكون مرتبطا بالمبادرات الإسرائيلية والدولية الهادفة إلى التوصل لتهدئة تقوم على تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في القطاع مقابل وقف المقاومة في غزة عملياتها التي تستهدف (إسرائيل).

المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لشؤون الأمن عقد أمس الأحد اجتماعا خاصا لمناقشة خطتين لتحسين الأوضاع في غزة، احداها بلورها مبعوث الأمم المتحدة للمنطقة نيكولاي مالدينوف، وترمي إلى تدشين مصانع وبنى تحتية لخدمة قطاع غزة داخل سيناء وفي القطاع نفسه.

 والثانية صاغها وزير الاستخبارات والمواصلات الليكودي يسرائيل كاتس وتقوم على تدشين ميناء عائم قبالة سواحل غزة إلى جانب تدشين بنى تحتية داخل القطاع.

من ناحية ثانية، فان التحول على أنماط التعاطي الأمني مع مناشط حراك العودة مرتبط أيضا بقناعة متجذرة لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحديدا، ومفادها بأنه لا يوجد رد عسكري يمكن أن يفضي إلى احتواء هذا الحراك، سيما في ظل تعاظم مناشطه وزيادة تأثيره على العمق المدني الإسرائيلي، وضمن ذلك الخسائر الهائلة التي باتت تتكبدها المستوطنات المحيطة بالقطاع جراء استخدام الطائرات الورقية المشتعلة.

ويستدل من أنماط التعاطي التي برزت في مواجهة "مليونية القدس" أن المستوى العسكري تمكن من اقناع المستوى السياسي في (تل أبيب) بمواقفه الداعية إلى عدم الإقدام على خطوات تسهم في انفجار مواجهة شاملة مع حماس.

فعلى الرغم من أن الجمعة الماضي شهد إطلاق أكبر عدد من الطائرات الورقية المشتعلة، إلا أن نمط التعاطي معها لم يخرج عن المألوف حتى الآن، في ظل تجاهل تام لدعوات وزراء داخل الحكومة بتصفية مطلقي هذه الطائرات.

ولا جدال على أن نمط التعاطي الإسرائيلي الجديد مع حراك العودة يدين حكومة (تل أبيب)، حيث أنه إذا كان بالإمكان استخدام وسائل أقل عنفا في مناشط مواجهة الحراك الجمعة، فلماذا لم يتم استخدامها من قبل بشكل كان يمكن أن يفضي إلى تقليص عدد الشهداء والجرحى بشكل كبير؟