مكتوب: في بيت الشهيد "المدهون".. ذكرى ميلاد فرحة وانطفاء أخرى!

صورة ارشفية
صورة ارشفية

غزة- ياسمين عنبر

كيف للرابع عشر من مايو أن يكون ميلادًا جديدًا لقلب "أم"، اشتهت أن تعيش الأمومة لمدة عشر سنوات، وكيف للتاريخ نفسه هذا العام أن يكون مدعاة لبكائها للأبد.

رزنامة أحلام دونتها "آلاء المدهون" في قلبها بعناية تامة، فعشر سنوات كانت كافية لأن تنتظر بصبر فارغ طفلها "عبدالله" الذي سيروي عطشها وأبيه بعد أعوام عجاف!

في الرابع عشر من 2017 كان "شاهر المدهون" ساجدًا شاكرًا لله، بعد أن احتضن طفله الأول "عبدالله"، وكبر في أذنه اليمنى، لكنه في ذات التاريخ من هذا العام اصطف أحبابه ليصلوا عليه ويطبعوا على جبينه قبلة الوداع.

عام واحد فقط استطاعت "آلاء" خلاله أن ترى فرحة "شاهر" بطفله، قبل أن يقنصه جندي إسرائيلي فيقيم في قلبها مأتمًا لن ينتهي مراسمه.

منذ أن نصبت خيام العودة كانت عيون "شاهر" ترنو إلى ما بعد السياج الذي يختبئ خلفه الجنود، كان يشتم رائحة المجدل الذي كان يحلم أن يقضي "عبدالله" طفولته بين أزقتها العتيقة.

- آلاء أنا محضر مفاجأة يوم الاتنين لعيد ميلاد عبدالله

- شو المفاجأة احكيلي

- يوم الاتنين بتعرفي بس هيا "مفاجأة مزبطة"

لم تكن تعلم "آلاء" أن مخططات زوجها في إقامة حفل ميلاد لطفلهما سينقلب رأسًا على عقب، وسيبقى يومًا يخلد فيه حزنها على فراق السند والشريك.

آلاء زوجة الشهيد التي بدت صلبة كثيرًا، كادت عيونها تبدو كبركان ينفجر دمعًا بمجرد النظر إلى لوحة في مدخل البيت كتب عليها: "أهلا وسهلًا بكم في استقبال التهاني بميلاد الطفل عبدالله".

اللوحة هذه بدت موجعة رغم كل الألوان والرسومات الطفولية التي نثرت عليها، تحكي آلاء: "لم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أودع شاهر في اليوم الذي نعده فرحة عمرنا".

كأن "شاهر" استعجل على "عبدالله" أن يكبر، فاصطحبه في مشاويره جميعها وهو لم يتعدَّ العام بعد، ليشعر بأن سندًا ما بات يرتكز عليه في حياته، تكمل "آلاء": "منذ بدء مسيرات العودة كان عبدالله يرافق أباه فيحمله والفرحة لم تفارق عينيه وينطلق إلى الخيام".

رصاصة متفجرة اخترقت الجانب الأيمن من الرئة في جسد "شاهر" وخرجت شظاياها من الجانب الأيسر، وتسببت بنزيف داخلي، كانت القاتلة له كما لأحلام طفل وأمٍ وئدت فرحتها أن يكبر طفلهما بين أحضان والده.

صدمة في القدس وصدمة في بيت الشهيد "المدهون"، ففي الوقت الذي افتتحت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ظل صمت عربي ودولي، كانت الصدمة تسكن قلوب أهل "المدهون" وأصدقائه باستشهاده، وذلك بعد ارتكاب جنود الاحتلال مجزرة دامية بحق المتظاهرين السلميين يوم الاثنين شرق غزة.

الورقة التي خط فيها "شاهر" وصيته لطفله عبد الله لن تكون مجرد شيء عابر، بل ستكتب منها "آلاء" أجندة حياتها وطفلها.

كان يدرك "شاهر" أن الذكرى خلود، ترى هل كان حدس "شاهر" قد أنبأه بأنه راحل!؟، ما الذي جعله يترك خارطة حياة لطفله الذي لم يتعدَّ عامًا واحدًا بعد؟! وهل كان يخشى ألا تصل تهنئته لابنه في ميلاده الأول فارتأى أن يخطها حروفًا تبقى معه للأبد!؟

في وصيته كتب "شاهر": "بالأمس كان الخيال يغطي عالمنا ولحظة الانتظار تتسارع بقدومك.. يا بني انتظرنا قدومك بفارغ الصبر وقد أكرمنا الله بعد تسع سنوات بك فاحرص أن تكون ولدًا بارًا لوالديك".

صديق الشهيد "أحمد هاشم" الذي بدا وكأنه أحد إخوة الشهيد لشدة الحزن التي يرتسم على وجهه، قال لـ"الرسالة": "كل من يعرف شاهر يدرك كيف يختار الله الشهداء".

ويكمل: "شاهر باختصار هو الصديق الصدوق الخلوق الصادق الأمين الوفي الذي لم يتأخر دقيقة عن الفرحة لأصدقائه وأقربائه ولم نره إلا مبتسمًا حتى في أحلك ظروف حياته وأشدها".