مكتوب: الرابع عشر من مايو... أحلام غزة التي يجب أن تتحقق

جانب من مسيرات العودة على حدود قطاع غزة - ارشيفية
جانب من مسيرات العودة على حدود قطاع غزة - ارشيفية

الرسالة نت - رشا فرحات

بدأ نهار غزة هادئا، خاليا من السيارات، ولكن سرعان ما ضجت بالذاهبين الساعين لشيء ما، شيء يعرفونه، حلم على ضفاف القلب، كانوا يؤجلون شيئا منه إلى ان تحين اللحظة، هناك على حدود غزة، في اليوم الذي تشتتت فيه كل الأحداث ما بين شرق وغرب، وفي ذكرى لها من الوجع سبعون عاما، قرر الجميع أخيرا وقت العودة المحدد، في نقاط عديدة على خط حد فاصل بين الحقيقة والكذب، من هناك انطلق الجميع نحو الوطن.

 

بينما على بعد مئات الأمتار، وفي القدس يزاح الستار عن المقر الجديد للسفارة الأمريكية، وتنقل " ايفانكا" على لسان والدها إعلانا رسميا بأن (إسرائيل) أصبحت الوصية الوحيدة على القدس بكل مقدساتها، وكالعادة تطعن القدس في الخاصرة، فتثور غزة عن بكرة أبيها، بين رافض لنقل السفارة، ومطالب برفع الحصار، وحالم بالعودة.

 

وقف الجموع، هبة رجل واحد، على قلب قضية عادلة، في سباق مع الزمن، راكضين نحو الحقيقة الوحيدة التي توارثوها أبا عن جد.

ولك أن ترى ما يفعل بك الحماس في الميدان، فما هي إلا دقائق، وقال أهل غزة كلمتهم واجتمع العشرات، بل المئات، أعداد لا تحصى من الجامحين الثائرين، المؤمنين بما يقومون به من عمل، الصابرين المحتسبين، السائرين كخيول بيضاء، في زمن غير زمانها، في زمن الخنوع والبيع والبحث عن الكرسي، يظلون هم فقط، أصوات الشعوب المنكوبة، يرددون صرخاتهم فوق كل قول، في زمن تخلت فيه السلطة، وتخلى عنهم الأعراب، ومن لم يتخل التزام الصمت خوفا من سلاح عابر للقارات يقضي على ما تبقى من كرامة لديه.

وحدها غزة التي رسمت اللوحة هذا اليوم، من بين مئات "عجال الكوشوك" المشتعلة كانت أقدام الشباب والصغار تسير، في لوحة أشبه بتلك التي رسمها الاحتلال قبل سبعين عاما.

ثم ماذا؟! ثم بدأت الصورة تزداد عجبا، فهناك على الحدود، مغناطيس يشدك إلى الأمام، ولا تدري هل هو في جيناتك، أم في الحماسة الملتهبة من حولك؟!

وكلما اقتربت أكثر، سحبتك اللوعة المزروعة في قلبك أبا عن جد إلى الداخل أكثر فأكثر، تمسك بيد رفاقك، ثم تبدأ بعد ناقلات الجرحى التي تمر إلى جانبك، وفي لحظة ما تصبح أنت أيضا رقما آخر، بينما العالم يتفرج على لوعتك ووجعك، أو ربما لم يكن يتفرج، أو لم تأت الفرصة المواتية لأن يفتح تلفازه على صورتك، فمن أنت على خارطة العالم، ولكن موتك يساوي كل شيء، على خارطة دولة ترتجف وتتقوت على سرقات التاريخ، وحينما يكتب التاريخ، ستكون أنت في المقدمة لتحرر وتدقق وتصحح لغاتهم جميعا.

هذا ما كان، وسط تكبيرات المساجد التي استمرت حتى أذان الظهر، تسمرنا أمام الوسائل الإعلامية نعد الشهيد وراء الشهيد، وكأن الموت يفضل غزة على سائر الأمم، وصل عددهم عشرات مع انتصاف النهار، وما زالت الأرقام تتوالى، والصورة في مستشفى الشفاء لا تبدو مغايرة فسيارات الإسعاف لم تتوقف، ووزارة الصحة تناشد وتشرح للعالم حجم المعجزة التي تقدمها للجرحى بطواقمها الطبية المحدودة وإمكانياتها الضعيفة، ونحن ننتظر معجزة من السماء تنزل على قلوبنا فترفع حصارا أو تؤجل ستارا، أو تعيد لنا أوطاننا.

وتمضي الساعة تلو الساعة، وتتكشف وجوه الشهداء على صفحات أصدقائهم، هذان شهيدان شقيقان، كان عرسهما قبل يومين، وهذا شهيد قد تعلقت أمه برقبته قبل أن يخرج، وحلفته بمئات الأيمان المغلظة أن يعود، وذلك آخر ترك كتب الثانوية العامة على سريره وقال لها سأعود بعد ساعتين، ولم يعد، وتلك أم تعد أسرة أبنائها فتفتقد أحدهم، قبل أن يخبرها ضوء القمر بأنه سيبقى فارغا من صاحبه.

وصاحبة الجلالة أيضا، لم تنج، فسقط اثنا عشر صحافيا بجراحهم الخطيرة كان أبلغها إصابة ياسر قديح عضو مجلس ادارة منتدى الاعلاميين الفلسطينيين ورئيس قسم التصوير في صحيفة فلسطين اليومية الذي أصيب بعيار ناري في البطن ولا زالت الدعوات ترتفع إلى الله بأن يعيده سالما بعدما تم تحويله الى مستشفى المقاصد بالقدس.

ما كان يوم الاثنين، هو مجزرة حقيقية تدفع ثمنها غزة وحدها كما في كل مرة فما أن انتهى نهار يوم الخامس عشر من مايو حتى كان عدد الشهداء قد وصل إلى ستين، وفي عتمة الأسئلة التي لم تطرح والكلمات التي لم تقل، ترى على كل نافذة هنا في غزة بين الحدود والحدود المؤدية إلى عزة افتقدها العالم أمًا ثكلى تعد النجوم، وتضيف إليها نجمة تحمل اسم فقيدها لعله يرتاح أكثر.

وخرج الرئيس في نهاية النهار كعادته، بخطاب مقتضب، يخلو من أي تعبيرات واضحة، يطلب الستر من الله، ولا يقرر شيئا بشأن مدينة محاصرة، رغم كونه واحدا ممن شاركوا بحصارها، بينما تدعوه الفصائل ولجان المقاومة المسلحة إلى رفع حصاره، وتخفيف إجحافه، ولكن غزة لم تتلق ردا ينصفها.

وعلى الجوانب الأخرى العديدة في العالم بقيت العيون تتفرج كعادتها، مجلس الأمن لم يستطع أن يخرج بيان استنكار واحد للمجزرة التي حدثت بعدما أوقفته واشنطن، بينما اكتفت بعض الدول باستنكار لما حدث، وسحبت جزر القمر وتركيا وجنوب أفريقيا سفراءها، وظلت الوعود المصرية واقفة عند تمديد فتح بوابة معبر رفح إلى أجل غير معلوم بينما رحبت بالجرحى في مستشفياتها.

وبقيت غزة، تطبب وتداوي، وتنتظر القادم، لعل القادم يكون حلما آخر، حلما يتحقق هذه المرة، دون دماء.