ثمة انقلاب وتغير مفاجئ طرأ على خطاب رئيس السلطة محمود عباس خلال الجلسة الختامية باجتماع ما يُسمى بالمجلس الوطني، فلهجة الغضب والحدة التي بدأ بها الرجل الثمانيني في هجومه على غزة سرعان ما تحولت إلى خطاب لين تخلله الحديث عن وقف الإجراءات التي اتخذها ضد غزة وأنه لا يمكن أن يعاقب شعبه، فيما يبدو أنها محاولة لوضع حد للأزمة والنقاشات الحادة التي دارت بين المشاركين بالجلسات.
على مضض أمر عباس بصرف الرواتب لموظفيه بغزة وأبدى حرصه على شعبه هنا إلى جانب انزعاجه الشديد من لفظ "العقوبات" قائلا:" ما حد يتحدث عن عقوبات هل هناك رئيس يعاقب شعبه"! بعد أن برر بأن عدم صرف الرواتب يعود لخلل فني.
ويبدو أن هذا التقلب في سلوك أبو مازن يعكس حجم الضغط والمأزق والصراع الذي دار داخل جدران قاعة أحمد الشقيري برام الله والتي عقدت بها جلسات "الوطني" على مدار أربعة أيام متواصلة، لا سيما وأن النقاش احتدم وانقسمت آراء المجتمعين حول رفع العقوبات على غزة.
وقالت المصادر إن الغالبية اتفقت على ضرورة تقديم مذكرة تنادي بإلغاء العقوبات، وتشكيل لجنة لمتابعة تنفيذ هذه التوصيات مباشرة من طرف اللجنة التنفيذية المعينة، وجرى عرض هذه التوصية للتصويت، حيث لم يعارضها أحد في المجلس.
ضغوط مختلفة
وُيجمع كُتاب ومحللون سياسيون أن التغير المفاجئ في سلوك عباس جاء نتاج ضغوط مختلفة من المشاركين في المجلس الوطني إلى جانب الضغوط الإسرائيلية المتواصلة والتي تخشى من انفجار الأوضاع في وجهها نتيجة الاحتقان الشعبي من إجراءات السلطة ضد غزة.
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي تيسير محيسن أن تغير موقف عباس يرجع إلى وجود تدخلات ما قد حصلت وأحدثت نوعا من القناعة لدى رئيس السلطة بان التوجه والسلوك الذي يقوده تجاه غزة لن يحقق منه شيئا وسيتحمل تبعاته.
ويوضح محيسن في حديثه لـ"الرسالة نت" أن تغير تلك القناعة جاء نتاج الأصوات الضاغطة في المجلس الوطني وبعض القيادات الفتحاوية، إلى جانب إيعاز الاحتلال لعباس بضرورة وقف تلك الإجراءات خشية دفع الثمن.
ويؤكد أن التوجه الجديد من السلطة تجاه القطاع؛ جاء لتفريغ الاحتقان ومحاولة الالتفاف على إنجاز مسيرة العودة والسعي لتبريد جبهة غزة، من أجل تمرير مخطط ما، لا سيما في ضوء الحديث عن التجهيز لصفقة القرن.
ويشير إلى أن عباس في خطابه الأول أراد ان يرفع السقف عاليا ثم حدثت مفارقة في الخطاب الأخير، مبينا أن الهدف قد تحقق من خلال تخفيف حالة الاحتقان ضد إجراءات السلطة.
محاولة استرضاء
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون مع سابقه، منوها إلى أن عباس يعيش حالة ارباك ويحاول أن يستخدم العقوبات لتحقيق أهداف سياسية ويريد استرضاء الواقع "الوطني" والكل الفلسطيني بعد الرفض الواسع لعقد المجلس دون توافق وذهب لتخفيف الحدة من هجومه على غزة.
ويضيف المدهون لـ"الرسالة نت" أن عباس لاحظ معارضة شديدة وأراد ان يرضى هذه الأصوات داخل الوطني وخصوصا بإجراءاته ضد غزة، لا سيما وأن مشهد عقد "الوطني" كان ضعيفا فأراد ان يحرف النظر عن عدم شرعيته بتوجهات تلهي الشعب.
فيما يختصر المحلل السياسي حسام الدجني جميع الاحتمالات بالقول:" قد يكون مناورة تكتيكية لتمرير مخرجات المجلس الوطني خارجياً أو متغير سياسي أو حدث أمني عسكري قادم له انعكاس مباشر او غير مباشر على غزة لذا أراد عباس أن يعيد تموضعه في الخارطة، وقد يكون سيناريو الحرب على غزة أحد تجلياتها".
ويلفت الدجني إلى أن الاحتمال الثاني قد يعود إلى فشل المراهنة على سياسة قطع الرواتب لتأليب الناس للخروج بوجه حماس وهو ما دفع الى ترجيح كفة الصوت الضاغط على ارجاع الرواتب والتراجع عن العقوبات وساهم في ذلك الضغوط الفلسطينية والاقليمية والاسرائيلية والدولية.
وفي نهاية المطاف فإن الأيام المقبلة كفيلة بكشف هذا التغير المفاجئ في خطاب وسلوك عباس تجاه غزة.