تدخل غزة مرحلة حرجة، اتفق الجميع على تفاصيلها بهدف تطويع القطاع ودمجه في مسار التسوية والتخلص من "شذوذه" عن خط "إنهاء الصراع" الذي رسمته الولايات المتحدة لخدمة الاحتلال ولم يخل من بصمة الأطراف العربية والإقليمية وانساقت معه السلطة.
التضييق الشديد على غزة ينطلق من قناعة جميع الأطراف بأن فرض خطة التسوية لن يتم دون إنهاء عقدة غزة التي تعد الأخيرة أمام تطبيقها.
ورغم أن الضغط على القطاع تجاوز مرحلة عض الأصابع وكأن المراد منه أن يرفع قاطنوه الراية البيضاء ويقبلوا أي سيناريو قادم، إلا أن غزة لا تزال تمتلك أوراق ضغط ترد بها على محاولات خنقها أبرزها:
1- مسيرة العودة التي شكّلت عاملًا مفاجئا لم يكن في حسبان من خَطّط للضغط على غزة، مما منحها فرصة إضافية لإعادة قضية عودة اللاجئين والحصار إلى الواجهة، ودفع الجميع للتفكير بكيفية التخلص من تبعات المسيرة التي تستنفر الاحتلال وتؤرقه، وقد ظهر ذلك من خلال:
- زيارة وفد المخابرات المصري الى غزة والتقاؤه بقيادة حركة حماس لخمس ساعات متتالية، ودار الحديث عن المصالحة والمسيرات الحدودية.
- تصاعد الحديث بين قادة الاحتلال على ضرورة تخفيف الحصار عن غزة وتحسين الأحوال المعيشية.
- زيارة وفد حماس حاليا للقاهرة، مع عدم رفع سقف النتائج التي من المتوقع أن تسفر عنها الزيارة.
2- تعد رسالة كتائب القسام المرئية التي حملت عنوان "كيف تتلاعب قيادة العدو بعائلات الجنود الأسرى"، الورقة الأكثر ضغطا والرابحة في معادلة عض الأصابع، حيث أن القسام يملك ورقة قوية يمكن من خلالها قلب الطاولة على قادة الاحتلال من خلال تحريك الرأي العام الإسرائيلي ضدهم.
وهنا يجدر الإشارة إلى التسريبات التي تحدثت عن مقترح إسرائيلي لرفع الحصار عن غزة بالكامل مع البدء بمفاوضات لتبادل الأسرى، لكن حماس رفضت الحديث بالأمر قبل إطلاق سراح أكثر من 60 محررا في صفقة "وفاء الأحرار" أعاد الاحتلال اعتقالهم.
3- انقلاب الهدف الذي تذرعت به السلطة من قطع رواتب موظفيها في غزة بأنه يأتي لإجبار حماس على "تمكين الحكومة" ضدها، وذلك من خلال:
- تقدير الأوساط العسكرية الإسرائيلية بأنها تدفع باتجاه انفجار الأوضاع وتصعيدها ضد الاحتلال في حال استمر تدهور الأوضاع المعيشية للسكان.
- قناعة من كانوا مؤيدين لسياسة الرئيس عباس، بأن نهجه يستهدف سكان القطاع وليس حماس، خاصة بعد أن خسروا رواتبهم التي كانت تربطهم بتأييده، وبالتالي اتجاههم لمواقف مشابهة كتلك التي تتبناها حماس اتجاه السلطة.
- يتم تداول مقترح أوروبي لصرف رواتب الموظفين مقابل حصول الدول الأوربية على أموال المقاصة من الاحتلال مباشرة، دون ذهابها للسلطة وهذا في حال حدوثه سيضعضع الوضع المالي للسلطة التي تعتمد بشكل كبير على ما تجبيه من غزة.
نهاية القول إن غزة لا تزال تشكل صداعاً للجميع، وتستنفر الاحتلال والاقليم على حد سواء، وأن بقاءها تحت الحصار وفي حالة انتظار لما هو أسوأ لم تعد محتملة، وبات قناعة لدى الجميع بضرورة ايجاد حل لها، ويمكن أن يرى هذا الحل النور قبل منتصف مايو الموعد المقرر لوصول مسيرة العودة إلى ذروتها.