"الجولة انتهت، ونحن على وشك تغيير اللاعبين"، هكذا يلخص السلوك السياسي للولايات المتحدة 25 عاماً من دوامة المفاوضات وعملية التسوية التي خاضت فيها السلطة الفلسطينية جولات لا حصر لها، لم ينتج عنها شيء سوى توسيع الاستيطان وقضم الأراضي التي سحقت حل الدولتين في طريقها.
بعد أكثر من عقدين من العلاقات السياسية والدبلوماسية والجولات المكوكية بين الطرف الفلسطيني و"الوسيط" الأميركي يهاجم مبعوث الإدارة الأمريكية جيسون غرينبلات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، قائلاً: "الآن هذا هو الوقت المناسب للتشمير عن السواعد والبدء في العمل، أو يمكنك مواصلة الركض في الدوائر، وعدم الحصول على أي شيء في أي مكان".
ربما ضحك غرينبلات مطولاً وهو يوجه هذه الكلمات "لشريك السلام" السابق وسخر من كل الخطابات السابقة والوعود القاطعة بدولة فلسطينية تلوح في الأفق على حدود 67.
ورغم تمسك اللاعب الأول "السلطة الفلسطينية" بالأحكام والقواعد المنصوص عليها بالاتفاقيات وتنفيذها كل الشروط المطولة منها وأكثر تجد نفسها فجأة في كرسي الاحتياط ومهددة بالطرد في أي لحظة، لكنها ما زالت متشبثة بمقعدها وترفض أن تخرج من الملعب.
الآن تعلن أميركا بوضوح ليس فقط انتهاء "لعبة السلام"، وإنما نيتها البدء بلعبة جديدة مع استبعاد اللاعبين السابقين بعدما فقدوا لياقتهم السياسية وأوراق قوتهم مقابل لا شيء، وتبدأ البحث عن لاعبين جدد يملكون ما يمكن تقديمه للبدء معهم بجولة جديدة لا أحد يعرف متى تنتهي.
هذا النهج الأميركي يتوج انتهاء مرحلة الانتهازية الأميركية التي جردت منظمة التحرير والسلطة من كل أوراق قوتها وبعدما تمكنت شريكتها (إسرائيل) من حسم الصراع لصالحها في الضفة الغربية والقدس، تدير ظهرها لشركائها السابقين الذين لم يبق لهم إلا الخدمات الأمنية التي توفر لهم الاستمرار في البقاء، وتلتفت إلى ما ترى فيه منطق الدولة الفلسطينية الجديدة.
موقف الولايات المتحدة يطرح علامات استفهام عندما تغير لغتها التي اعتادت أن تستخدمها اتجاه حركة حماس التي تدير قطاع غزة، عبر رسالة وجهها غرينبلات لحماس قال فيها أنه لا "يزال هناك إمكانية لضم حركة حماس" في حال اتخاذها ما قال إنها "الخطوات الضرورية".
ربما ليست الرسالة الوحيدة التي وجهت لحماس من الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة والتي وان كانت تحمل أسلوب التهديد وتجديد الاشتراطات لكنها أيضا لا تخلو من التلويح بفتح الأبواب المغلقة في وجه الحركة المحاصرة منذ 11 عاماً في غزة لتبينها نهج المقاومة.
وبعدما أدركت الولايات المتحدة وحليفتها (إسرائيل) أن مهمة إزاحة حماس عن المشهد السياسي فشلت عبر الحروب وسياسة الاحتواء والتطويع، تجد أنه لا مفر من الحوار مع الحركة لتغيير الواقع الموجود في قطاع غزة خاصة بعدما خالف القطاع كل التوقعات وانفجر في وجه الاحتلال وليس حماس.
ولم تعد سراً الدعوات التي تصدر في دولة الاحتلال والتي ترى أنه دون حوار مع حماس لا يمكن تغيير الوضع القائم، مع معرفتهم بأن الحركة تمردت على كل الضغوط ورفضت الاشتراطات.
التوجه الأميركي والإسرائيلي ربما هو السبب الخفي الذي يقلق قيادة السلطة ويدفعها لصب جام غضبها على الحركة وقطاع غزة، خوفاً من أن تأخذ الحركة الدور الذي لطالما كان حكراً على قيادة فتح وشكل بوابتها للسيطرة على القرار الفلسطيني عبر السلطة والمنظمة.
وربما تفسر هذه الحالة التجاذب السياسي غير المسبوق الذي لم يعد يراعى فيه أي اعتبارات وطنية او إنسانية من خلال تجويع الناس بما فيهم أبناء فتح ومفاقمة ازماتهم الإنسانية لدفعهم الي الانفجار في وجه حماس في محاولة أخيرة استنفذت فيها السلطة كل أوراقها للضغط عليها لتسليم مقاليد الأمور في القطاع بالكامل لسيطرة السلطة أو كما قال أبو مازن من بابها لمحرابها.
هو يريد كل شيء وتحديداً السلاح والأمن لأنه يدرك انهما مفتاح السيطرة ومفتاح الامن والهدوء الذي سيقايض به الاحتلال الإسرائيلي كما يفعل في الضفة.
أبو مازن يريد ان يقول للجميع بأنه ما زال صاحب اليد الطولى والأكثر نفوذا وقادرا على اللعب بالأوراق التي يملكها على صعيد الجبهة الداخلية وأنه لا يمكن تجاوزه واستبداله بطرف آخر، بعدما فقد كل أوراقه في السياسة الخارجية.
وبعدما انتهت لعبة حل الدولتين وباتت الضفة تشكل معازل وتجمعات سكانية يعجز تواصلها مع بعضها البعض بما ينهي وهم الدولة، أيقن عباس أن ساحة العمل الحقيقي على مستوى القضية الفلسطينية والمرشحة لتكون منطلقا لأي دولة فلسطينية، كما كانت في أوسلو "غزة أريحا أولاً".