في ظل تصاعد مسيرات العودة

ثلاثة سيناريوهات إسرائيلية للتعامل مع قطاع غزة

ليبرمان
ليبرمان

الرسالة-شيماء مرزوق

ألقت غزة بورقتها الرابحة في وجه الاحتلال الإسرائيلي الجمعة الماضية حينما خرج عشرات الآلاف نحو الخط الفاصل بين القطاع والأراضي المحتلة عام 1948، مطالبين بحق عودتهم إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها.

الخطوة التي شكلت تهديدًا استراتيجيًا بالنسبة للاحتلال خاصة مع الدعوات لاستمراها إلى أسابيع جعلت غزة على طاولة النقاش والبحث لدى دوائر صنع القرار في "إسرائيل"، التي لم تتمكن من إخفاء ارتباكها من كيفية صد المتظاهرين السلميين.

وربما النقطة التي اشترك فيها جميع الكتاب والمراقبين الإسرائيليين أنه من الصعب ردع سكان القطاع أو معاقبتهم لأنهم باختصار يفتقدون لكل مقومات الحياة ولا مجال لسحب مزيد منها.

واللافت أن هذه المسيرات بزخمها وقوتها الجماهيرية تدفع الاحتلال إلى البحث عن بدائل وسيناريوهات للسياسة التي يتعامل بها مع غزة بعدما أثبتت أكثر من عشر سنوات من الحصار الخانق والتضييق أنها سياسة فاشلة ولم تحقق أهدافها وإنما جاءت بنتائج عكسية على الاحتلال.

وبعدما كان يروج الاحتلال لتمرير صفقة القرن التي بموجبها يكون القطاع هو الدولة الفلسطينية، وأنه انتهى من التحضير لهذه الصفقة، وأنه ليس الجهة المسؤولة عن أزمات القطاع، جاءت المسيرات لتعيد الأمور إلى نصابها وأن الصراع الحقيقي بين شعب محتل ودولة احتلال.

العنوان الكبير للمسيرات هو حق العودة لكن لا يخفى على أحد صعوبة تحقيقه في الوضع الراهن، بينما الرسالة الحقيقية لأهالي القطاع أنه لا يمكن الاستمرار بالحصار والخنق والتضييق وأن غزة ستنفجر لكن في العنوان الصحيح وبالطريقة السلمية التي يعجز معها الاحتلال عن استخدام قوته العسكرية.

ويطرح الاحتلال الإسرائيلي ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع غزة في الفترة المقبلة لإنهاء التهديد القائم من هذه المنطقة، لكن الأهم من السيناريوهات هو أن الاحتلال وصل إلى قناعة واضحة بأن الوضع في غزة يجب أن يتغير ومن غير الممكن الاستمرار هكذا، علماً أنه كان يحافظ خلال السنوات الماضية على الوضع القائم دون تغيير "غزة لا تحيا ولا تموت" ودون أن يمتلك رؤية استراتيجية للتعامل معها، لذا فإن استمرار المسيرات بهذا الزخم والمشاركة الشعبية السلمية الواسعة سيفرض على الاحتلال إيجاد الحلول.

السيناريو الأول: رفع الحصار وتحسين الوضع الاقتصادي لقطاع غزة والسماح بإنشاء المشاريع للسكان والعمل داخل الكيان الإسرائيلي تحت إشراف المخابرات الإسرائيلية لمنع أي أعمال مقاومة داخل الكيان، لكن يعتقد الاحتلال أن هناك ملفات عالقة يجب أن يتم تسويتها قبل ذلك أهمها ملف الجنود الأسرى لدى حماس.

وضمن هذا المنظور، دعا الجنرال غيورا آيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في مقال نشرته "يديعوت أحرونوت"، إلى الاعتراف من قبل "إسرائيل" بأنها تحادي دولة مستقلة تسمّى غزة، الحكم فيها انتخب بشكل ديمقراطي نسبياً، وأنه على "إسرائيل" أن تشجع دول الغرب والدول العربية على الاستثمار في إعمار غزة، بإشراك حماس وليس من خلف ظهرها.

ويقدر الجنرال آيلاند، أنه كلما بنيت في غزة المزيد من محطات توليد الطاقة، منشآت التحلية أو مشاريع لإنقاذ المجاري والصرف الصحي، ستكون حماس أكثر انضباطاً. وهو يواجه الحجة التي تقول إن حماس ستستغل المساعدة فقط كي تبني مزيدًا من الأنفاق، بحجة مضادة مفادها أن هذا بالضبط ما يحصل في السنوات الأخيرة، في ظل عدم التعامل مع حماس وتقديم الأموال والإمكانيات لها بشكل مباشر.

العكس هو الصحيح برأي آيلاند، إذ إن حماس ستستثمر أكثر في البنى التحتية المدنية، إذا ما اعترف بها كدولة بحكم الأمر الواقع وإذا ما أبرمت معها الاتفاقات التي تتطلب رقابة مشددة على الإسمنت وعلى باقي المساعدات التي تدخل إلى القطاع، كما يقول.

السيناريو الثاني: القاء قطاع غزة نحو الجانب المصري ضمن صفقة القرن والرؤية الإسرائيلية التي تريد التخلص من القطاع والحاقه بمصر، وقد تحدث عوفر يسرائيلي، البروفسور الخبير في الأمن الدولي والشرق الأوسط عن استراتيجية إسرائيلية جديدة مقترحة، في كيفية احتواء "إسرائيل" للاحتجاجات المتصاعدة التي انطلقت يوم الجمعة تحت اسم مسيرة العودة الكبرى.

ونوه بأن على "إسرائيل العمل في أفقين الأول؛ احتواء الاحتجاجات، والثاني، العمل على "إيجاد حل وإن كان جزئيًا، للوضعية الغزية المتعذرة من ناحية السكان، وبلورة استراتيجية شاملة لإعادة الصلاحيات التاريخية لمصر على القطاع، وذلك بالتوازي مع خلق مستقبل اقتصادي أفضل لسكانه.

السيناريو الثالث: تشجيع الدول الغربية والمؤسسات الدولية للعمل في القطاع عبر مشاريع واستثمارات تسمح بتحسين الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع لتفادي الانفجار في وجه "إسرائيل"، وذلك بعيداً عن حماس والسلطة خاصة بعد تعثر المصالحة وإصرار عباس على تأزيم الوضع في غزة عبر العقوبات المفروضة والتي يعتقد انها ستكون المدخل لإحكام قبضته على القطاع.

وقد لاقى هذا المقترح قبولًا في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في واشنطن الشهر الماضي بدعوة من البيت الأبيض بمشاركة عدد من الدول العربية والغربية و"إسرائيل" لمناقشة وضع قطاع غزة.