حاجز الخوف يرحل من حدود غزة إثر زحف عشرات الآلاف اللاجئين للمشاركة في مسيرة العودة السلمية قبالة جيش الاحتلال الذي لم يحسن إلا إطلاق الذخيرة الحيّة على أجساد العزّل وصبّ مئات قنابل الغاز المسيّل للدموع صوبهم، ضارباً بعرض الحائط القوانين الدولية التي تكفل الحماية للمتظاهرين.
الكتلة البشرية الضخمة على حدود غزة تمضي بالإسرائيلي أياً كان جندياً متحصّناً أم مستوطناً خلف السلك الفاصل نحو كي وعي للجبهة الداخلية الإسرائيلية فما وقع قبل سبع عقود لفلسطيني يثار الآن على لسان كبار لم يموتوا وصغار لن ينسوا.
وبدا واضحاً من الكم الهائل الذي ارتقى بنيران الاحتلال فزاد عن (15) شهيد، وأكثر من (1300) جريح خلال أقل من تسع ساعات من الحشد السلمي على الحدود أن جنود وقناصة الاحتلال لم تفلت سبابتهم زناد البنادق أملاً في إخلاء المكان دون جدوى في محاولة لإرهاب الجموع.
الجيش الذي عمل على حدود غزة تحت إشراف (آزينكوت) رئيس الأركان بنفسه قدّم لجرائمه حين مارس طوال أسبوعين حرباً نفسية ودعائية دعا فيها لإخلاء الحدود مسافة مئات الأمتار مشهراً عزمه على استخدام كافة وسائل القوة.
جيش مرتبك
في كل مرة أزور فيها حدود قطاع غزة خلال احتجاجات سلمية يختبئ القناصة خلف السواتر الترابية ولا نرى إلا قليلاً من العربات العسكرية التي يقودها جنود الاحتلال أو رجال الاستخبارات وأحياناً يدفعون بجيبات مشغلة آلياً تجري تصويراً قبل بدء عمل القناصة.
وعمل ضباط وجنود الاحتلال على حدود غزة منذ صباح الجمعة الماضي بتقدير موقف آني أمام تجربة ميدانية هي الأولى من نوعها تفوقوا هم فيها من جهة القوة التدميرية والعتاد لكنهم عجزوا عن مواجهة الموقف الصادم لهم.
ويؤكد اللواء يوسف شرقاوي الخبير العسكري أن الجيش منذ اليوم الأول لمسيرة العودة يوم الجمعة الماضي يظهر دموية أكثر من المعتاد، فضباط الاحتياط ومئات القناصة لم يفلحوا في إحباط تواجد عشرات الآلاف.
قبل شروق شمس الجمعة اغتال الاحتلال المزارع عمر وحيد سمور (27 عاما) وأصاب آخر وهم يقصّون نبات البقدونس على مسافة كيلو متر من السلك الفاصل مفتتحاً الفصل الأول من محاولات ترويع المشاركين في مسيرة العودة السلمية.
ويقول الخبير شرقاوي: "لو اندفعت الجماهير بغزارة نحو الجنود سيخرجونهم من مواقع القوة المحصّنة والجيش كان مستعداً لحرب بمعنى حرب وأدواته القتالية كاملة لكنه كان مرتبكا ويطلق النار بغزارة".
قتل مباشر
كل ما فعله جنود الاحتلال وضباطه المجتمعين في حجرة العمليات المنعقدة على مدار الساعة هو أن يوزعوا الموت بسخاء، فقد بدأ فجر الجمعة باغتيال مزارع يبعد عن السلك الفاصل شرق خانيونس قرابة كيلو متر ثم استهداف قناصته سيدات وأطفال نقلت وسائل الإعلام سقوطهم من بعيد دون تماس مع الجنود.
وكان (آيزنكوت) رئيس الأركان الذي يطلّ قليلاً على وسائل الإعلام قد طالب قبل أيام باستخدام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين الفلسطينيين، وهو ما يؤكد مخطط الاحتلال لإيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف الفلسطينيين.
ويؤكد اللواء واصف عريقات الخبير العسكري إن الجيش لم يتعامل مع مسيرة العودة على أنها سلمية شعبية بل تعامل مع المشاركين باعتبارهم مدججين بالسلاح وقد دعا المستوطنين قرب غزة لحمل السلاح مصدراً تعليمات مفتوحة باستخدام أقصى درجات القوّة.
ويضيف: "أوقع القناصة عدد هائل من الإصابات كان منها قرابة 750 جريح بالذخيرة الحيّة، وهو ما يعكس رغبة مبيّتة لدى الجيش أن يكبّد التظاهرة السلمية خسارة بشرية كبيرة لردعهم بعد فشل ردعهم بوسائل الحرب نفسية وبث الدعاية وقد أركب حساباتهم مشاركة الأطفال والشيوخ".
التصرف الميداني لجنود وقناصة الجيش لم يكن تصرف القلق حسب رؤية الخبير عريقات بل كان سلوك المرتبك فهذه تجربته الأولى التي يواجه فيها كم هائل من البشر ما يشعل ضوءً أحمر أمام ميلاد اجتياح الحدود مستقبلاً.
خيار جديد
وفيما كانت غزة تحتضر قبل أيام مع اشتداد الحصار متهجّزة لتلقي ضربة الاحتلال القاضية التي لوّح بها مزهوّاً إذا لم تسلم المقاومة سلاحها بدأ الاحتلال على لسان كثير من الشخصيات يعيد النظر فيما يجري.
ما جرى على حدود غزة أعاد شريط الذاكرة لعام (1948) في وعي جيش ودولة متطورة تواجه كتلة بشرية تطالب بإنفاذ قرار الأمم المتحدة (194) بينما تجاهلت (إسرائيل) ما يقدر بـ(135) قراراً دولياً عن معاناة اللاجئ الفلسطيني.
منذ نشأتها (إسرائيل) تقدّم الأمن على كل شيء ولعل العقيدة الأمنية للجيش حسب رؤية محمد مصلح الباحث في الشئون الإسرائيلية تحمل هاجساً قوياً تدفعه للتضحية واستخدام كافة الوسائل حتى يحافظ على الثقة مع جمهوره.
ويقول مصلح:" مسيرة العودة تفرض رؤية سياسية جماهيرية فالشعب الفلسطيني تقدم على قيادته السياسية من خلال الممارسة الواعية ما أدى لاضطراب الاحتلال".
وكان جيش الاحتلال قديماً يتذرع حين يطلق النار بأن حياة جنوده تتعرض للخطر لكن ممارسته منذ صباح الجمعة أظهرت أنه أطلق النار على من اقترب من السلك الفاصل دون أن تتعرض حياة جنوده للخطر.
ويقول الكاتب صالح النعامي في مقالة نشرها قبل أيام "ولعل كثير من الشخصيات الإسرائيلية باتت تدرك حالة الإحراج التي ستقبل عليها (إسرائيل) من جرّاء جرائم جيشها وقيادتها الإسرائيلية".
كما نشر مقالاً قال فيه: "إسرائيل أرادت أن تضفي صدقًا على تهديداتها المسبقة باستهداف المشاركين في مسيرة العودة في حال اقتربوا من الخط الحدودي الفاصل مما جعل جيشها يتوسع في إطلاق النار الحية على الجماهير، لكن تل أبيب تعي في الوقت ذاته أن هذا السلوك يمكن أن يتحول إلى سهم مرتد ويفضي إلى صب الزيت على النار ويضمن زيادة دافعية الفلسطينيين لمواصلة فعاليات المسيرة".
واستدل الباحث النعامي بكثير من الآراء الإسرائيلية التي أبدت قلقها ودعت لرؤية غزة من زاوية أخرى، منوّها لكلام مهم منه ما ذكرته (هآرتس) صباح الأحد نقلاً عن المعلق الصهيوني (حمي شليف): "لقد أفضت مسيرة العودة إلى تحقيق انجازات كبيرة للفلسطينيين على صعيد تحسين مكانتهم الدولية، وضمنت لحركة حماس تفوقا واضحا في المجال الدعائي، وسيتبين ان وقوف ترامب إلى جانبنا سبب لمواجهتنا المزيد من الخسائر في الساحة الدولية.
وتذكر الصحيفة أن هذا النمط من المواجهة يمثل تحديا كبيرا للجيش الإسرائيلي، على اعتبار أن قدرة الجيش على تحقيق اختراقات في هذه الساحة محدودة.