كان من غير المقنع أن يقول أحدهم حين سئل عن الشهيد عبد الرحمن بني فضل: "ليس من الضروري أن يكون وراء كل شهيد قصة"، لتفند ذلك حكايته مع الطيور لا سيما طيور المسجد الأقصى والتي تهبط صباحًا في صحن قبة الصخرة المشرفة.
فحين يعلن عن استشهاد فلسطيني، نجد أنفسنا تلقائيًا نبحث عن آخر كلماته، نقرأ وصيته حرفًا حرفًا، ننتظر أن يجود علينا أحد بقصصه ويلهمنا بآخر مواقفه.
ساعات من العمل قضاها عبد الرحمن بني فضل (28 عامًا) يوم الثامن عشر من الشهر الجاري، حيث حصل على تصريح عمل في القدس، ليرد أهله خبر تنفيذه عملية عصر ذاك اليوم.
الخبر كان قد حدد مكان العملية وهو شارع الواد قرب باب العمود أحد أبواب البلدة القديمة في مدينة القدس المحتلة، وقد قتل فيها حارس أمن إسرائيلي، وفيما بعد تواردت الأخبار للعائلة تأكيدًا على استشهاد عبد الرحمن، قبل أن تصلهم التفاصيل.
فقد ترجل "الشهيد عبد الرحمن" نحو الحارس الإسرائيلي، وغرس سكينه في منطقة قاتلة في النصف العلوي من جسده، فأصيب بجراح خطيرة، فارق الحياة بعدها، فيما أطلق جنود الاحتلال النار على عبد الله؛ وأصيب بجراح خطيرة وترك ينزف دون علاج حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
وارتقى "عبد الرحمن" شهيداً من ذات المكان الذي طالما جلس فيه يراقب طيور القدس، مجسداً أن الأقصى يمثل البوابة الوحيدة إلى السماء.
واشتهر الشهيد عبد الرحمن بعلاقته المميزة مع الطيور، فإضافة إلى طيور المسجد الأقصى، كان يجول ويصول في الضفة الغربية لكي يأتي بنوع من الطيور التي يحب، حتى لو كلفه الأمر أن يصل إلى محافظة الخليل أقصى الضفة لشراء وبيع الجميل من الطيور.
"قلبي حديد" قالها ممازحًا لوالده حين أخبره أن البوابات الإلكترونية ستصدر صوتًا حين يمر عبرها في معبر الكرامة يوم أن عزم على أداء العمرة، وقتَها انفعل الأب وسأله بحزم: "هل تحمل شيئًا حديديَّا؟"، ليرد عليه ببرود أعصاب أنه "قلبه"!
وفي يوم السبت الذي سبق استشهاد "عبد الرحمن" افتتح محله وسط البلد وأحضر ابنه الأكبر "أحمد" (٤سنوات) وأجلسه معه طوال اليوم، وبعد العصر أحضر ولده جاد (سنتين) وأبقاهما معه لبعض الوقت يلاعبهما ويلاطفهما بكرة صغيرة اشتراها لهما يومها.
إصرار "عبد الرحمن" كان مستغربًا من قبل أبيه حين قال له: "تأخر الوقت أجل مشوارك ليوم غد"، فرد عليه: "أنا مشتاق للقدس ومش قادر أستنى لبكرا ..روحي بتطلع إذا ما رحت اليوم على الأقصى".
وعرف الشهيد عبد الرحمن بأنه صاحب حس وقلب مرهف، ورغم ذلك إلا أنه عرف بقوته وصلابته إذا كان الأمر يتعلق بالدفاع عن الوطن!
كما تُعرف عائلة عبد الرحمن بحبها للعلم والدين؛ فجده لوالده هو الشيخ "سعادة بني فضل"، إمام مسجد عقربا الكبير، لمدة أربعين عامًا.
أما حكاية الشهيد مع الكوفية الفلسطينية التي يحب، فيرويها "حمزة ديرية" لـ"الرسالة" وهو ابن قرية عقربا وصديق الشهيد، مبيناً أنه قبل عشرة أعوام رآه عبد الرحمن يرتدي كوفية فأعجبته وأصر أن تكون له، حيث مازحه قائلًا: "ما المقابل؟"، فرد عليه عبد الرحمن: " أعطيك إياها في الجنة"، فضحك "ديرية" لقوله، وأراد عبد الرحمن أن يقنعه، فقال له: "سأظل أدعو أن يجمعنا في الجنة كي أرد لك هذه الهدية"، فقبل وأعطاه إياها.
عبد الرحمن في نظر صديقه "ديرية"، هو ذاته الفتى الذي لا يكبر ويظل في رأسي غير صورته التي تناقلها الإعلام وعرفه بها الناس في السنوات الأخيرة في البلدة!
فهو اعتاد عليه مرحًا ضحوكًا له طرائف ومزاح فريد، وقد أوتي عزما وقوة، ويتابع "ديرية" كلامه قائلًا: "والأجمل في عبد الرحمن أنه كان حرًا لا يعرف السكوت عن حقه ومن الصعب أن يتنازل عن موقفه ففيه عناد وإصرار شديد".
ويتذكره من الصغر، حيث كان فتى قوي البنية كثير الأسئلة، ذكيًا لماحًا لا يمل عن سؤال المعرفة، كثير المزاح شديد الحب لإخوانه، وله ميل فطري لحب بلده ويسكنه جنون الرغبة بألا يعيش إلا فيها، كما يحكي.
"كان حسه مرهفًا يقرض الشعر ويوجه قلمه للشعر الوطني وحب الشهادة"، يقول أخ الشهيد الأصغر "زيد"، ويكمل: "حفلت صفحات البلدة على مواقع التواصل الاجتماعي ببعض أشعاره، حيث تناقلها أغلب محبيه، وأبرزها بيت من قصيدة له: "فإما أن نعيش بحب أرض...وإما أن نموت على ثراها"
وكما اعتاد الاحتلال مع عوائل الشهداء، فبمجرد الإعلان عن أسماء منفذي العمليات، يسارع بشن عقوبات جماعية على أبناء عائلته وبيوتهم!
فلم تمض ساعات على تنفيذ عبد الرحمن للعملية، حتى اقتحمت قوة كبيرة من قوات الاحتلال بلدة عقربا جنوب مدية نابلس، ودهمت منزل عائلته، حيث أجرت تحقيقًا ميدانيًّا مع أفراد الأسرة، وحين سألها عن موعد تسليم جثمان نجلهم لدفنه في مقابر المسلمين، رد جندي إسرائيلي بقوله: "إنه من المبكر الحديث عن تسليم الجثمان"!
ثم أخذ جنود الاحتلال مقاسات لغرف المنزل، وعاينوا جدرانه، وهو مؤشر لنيتهم هدم المنزل، في محاولة منهم لعقاب البيوت التي أنشأت ابنها على حب المقاومة والجهاد.
"هل كان عبد الرحمن يحب الموت ويبحث عنه"؟ يتساءل صديقه "حمزة ديرية" ثم يجيب لوحده "قطعًا لا"، ثم يختم حديثه: "لو أن أحدًا سمع ما كان يقول عبد الرحمن واصفًا ابنه الصغير أحمد، وهو ثالث أبنائه وعمره لم يتعدَّ الأربعين يومًا بعد، وينصت إليه وهو يتحدث عن حبه لعائلته لقال أيضًا قطعًا لا".