قائمة الموقع

الشيخ أحمد ياسين.. نهاية عظيمة كالبداية

2018-03-22T07:33:38+02:00
الشيخ الياسين
الرسالة- رشا فرحات

استفاقت فلسطين يوم الثاني والعشرين من مارس 2004 على غمامات سوداء تعبق سماءها، مكدرة صفو صباح يوم ربيعي بعدما زاحم أصوات المآذن الصادحة بدعوات وتسبيحات، إعلان خبر "استشهاد الشيخ أحمد ياسين" زعيم ومؤسس حركة حماس.

نزل الخبر صاعقًا مؤلمًا، بينما كان باردًا كالثلج على قلوب من عرفوه، وعرفوا أنها أمنية تمناها، وقد تحققت أخيرًا، لترسم له نهاية جميلة بديعة كما كانت البداية.

وزف جثمان الشيخ ياسين الذي قصفه الاحتلال عقب خروجه من صلاة الفجر بمسجد المجمع الإسلامي بحي الصبرة بغزة، لتكون شهادة مفصلة على حجم السكينة والإيمان واليقين الذي كان يسكن قلبه، شهادة كان يتمناها فجاءته على طبق من ذهب.

ويعد الشيخ ياسين المؤسس لحركة حماس، والأب الروحي لكل أبنائها، ويعتبر من أعلام الدعوة الإسلامية بفلسطين ومؤسس للجامعة الإسلامية، ولد في قرية الجورة التابعة لقضاء المجدل، وتعرض في شبابه لحادث نتج عنه شلل تدريجي انتهى به مقعدًا قبل أن تغتاله قوات الاحتلال فيرتقي شهيداً عام 2004.

وامتاز الراحل بقدرته على الخطابة، إذ كان أشهر خطيب في عهد الاحتلال الذي علم منه قوته وجسارته في الحق، حيث اتلف حوله جيش من المحبين والمؤيدين من رواد المساجد وأبناء قطاع غزة.

أسر الاحتلال الشيخ ياسين عام 1982 وحكم عليه بتهمة التحريض لمدة ثلاثة عشر عاماً، ويذكر الاحتلال على لسان بعض الكتاب الإسرائيليين قصصًا وحكايا عن قوة الشيخ ياسين وعزته وعنفوانه داخل المعتقل، حيث كشف العميد السابق في شرطة الاحتلال تسفيكا سيلع النقاب عن أن ياسين رفض مساومة إسرائيلية بإطلاق سراحه مقابل الكشف عن جثة الجندي الإسرائيلي إيلان سعدون الذي تم أسره وقتله ولم يعرف مكان دفن جثته حينها.

وقال الضابط الإسرائيلي: "قال لي أحمد ياسين ذات مرة: أنت تعرف مدى قسوة شروط أسري واشتياقي للحرية ولا يوجد أحد في العالم مطلعًا على الحقيقة مثلك وتعرف حجم أشواقي إلى أحفادي ومحبتي لهم وحلمي بشم رائحتهم ولكن الاقتراح بمبادلتي بجثمان مهين ومرفوض".

وهكذا كان الشيخ ياسين مثالًا قويًا لأخلاق الدين الإسلامي، رفض الدنيا فأتته على هيئة تقدير واحترام حتى من العدو الذي تمنى موته في كل لحظة، ورفضت الأقدار حرية تقلل من شأنه، فكان يوم حريته ضربة في وجه (إسرائيل) حينما اضطرت لإطلاق سراحه عام 1997 في عملية استبدل بموجبها بعميلين إسرائيليين كانا قد حاولا اغتيال قائد حماس في الخارج خالد مشعل.

ونال الشيخ ياسين محبة وتقدير من كل الأطراف، وكان اغتياله ضربة في خاصرة القيادات الفلسطينية والعالم العربي، فذكره القريب والبعيد وكل من عرفه تعبيرًا عن فجيعتهم برحيله واستشهاده.

وقال الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان: "إن اغتيال الشيخ ياسين هو بداية العد التنازلي لزوال الدولة العبرية، ككيان عنصري بغيض، فعندما يعلن شارون عن إشرافه بنفسه على عملية اغتيال شيخ مقعد ومريض، خارج لتوه من مسجده بعد أدائه لصلواته، وعندما يهنئ جنرالاته بهذا الانتصار العظيم وكأنهم هزموا ألمانيا النازية، أو انتصروا في معركة العلمين أو الطرف الأغر، فهذه الهزيمة بعينها، والبداية المؤشرة للانهيار الكبير القادم".

وفي رحيله، كتب المفكر والكاتب فهمي هويدي قائلًا: "إن استشهاد الشيخ أحمد ياسين يعد إعلانًا عن استباحة الأمة العربية والإسلامية وهو مهانة حقيقية للأمة".

كما قال الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: "إن الشيخ ياسين حقق أمنية طالما طلبها من ربه، وهي أمنية يتمناها كل رجل مخلص، وهي الشهادة، وإذا كان يبتغي السلامة فإنه كان يستطيع أن يتخفى، ولكنه عرض نفسه ليد الاحتلال ولهذه الميتة المحبوبة، وهذه الجريمة تعطينا درسًا وهو أن مسيرة السلام لم يعد لها مكان ومن يتصور ذلك فهو واهم".

وقد ظن الاحتلال الإسرائيلي أنه باغتيال الياسين قد اغتال قضية من جذورها، ولم يكن يعلم أن أبناء الياسين باقون متجذرون بهذه الأرض، حتى ليذكر التاريخ كلمات الشاعر الإسرائيلي ياحيم غوري الذي قالها بعد سنوات من رحيل الشيخ أحمد ياسين في كتاب له، وهي كلمات الياسين الذي قابله في غزة ذات يوم حينما قال له: "على مر التاريخ أنشئت امبراطوريات وممالك، فأين هي اليوم؟ كانت الإمبراطورية الرومانية والألمانية والبريطانية، أين هم اليوم؟ هكذا أيضًا سيكون مصير إسرائيل".

وما تزال كلمات الياسين كابوساً أرخته كتبهم حتى اليوم، كابوسا يؤرقهم وهم يعلمون أنها ستتحقق لا محالة بزوال كيانهم الغاصب.

اخبار ذات صلة