نحو المزيد من التعقيد والتأزم تسير الأوضاع في قطاع غزة على كل المستويات، ففي الوقت الذي انفجرت فيه عبوات استهدفت موكب رئيس الحكومة رامي الحمدالله ورئيس المخابرات ماجد فرج بالقرب من حاجز بيت حانون الأسبوع الماضي، تفجرت معه الكثير من المخاوف بأن يستدعي الحدث المزيد من الضغط على غزة التي باتت غير قادرة على تحمل المزيد من الأزمات.
وبغض النظر عن تعثر المصالحة سابقاً إلا ان الانفجار يعطي ذريعة لحركة فتح والسلطة لممارسة المزيد من الضغط تجاه غزة، ولا يخفى على أحد أن حركة حماس التي تقود الأجهزة الأمنية في القطاع تسير منذ فوزها في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 وسط حقل الغام إلا أن الوضع الراهن هو الأكثر تعقيداً.
وقد يطول الحديث عن الأزمات التي تعاني منها الحركة وقطاع غزة لكن يمكن تلخيصها في التالي:
الأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أكثر من عشر سنوات، والتي تفاقمت في العام الأخير نتيجة لحالة الانهاك التي زادها كارثية فرض العقوبات من قبل رئيس السلطة محمود عباس في مارس الماضي.
أزمة المصالحة التي كان يعول عليها أن تختصر على حماس وسكان غزة البحث عن خيارات أكثر صعوبة، لاسيما أن التجارب الماضية والخطوات التي جرت خلال الأشهر الأخيرة لا تعطي مؤشرات إيجابية بل على العكس فان الوضع الإنساني تأزم أكثر عقب اتفاق المصالحة، ما يعني المزيد من الازمات والاستنزاف للجهود في الوضع الداخلي.
أزمة التمويل التي تعاني منها الحركة والتي انعكست على أكثر من قطاع ومن ضمنها الجهاز الحكومي، وذلك في ظل رفض حكومة التوافق تولي مهامها في القطاع.
لا يخفى على أحد ان حماس تسير وسط حقل ألغام في علاقاتها الإقليمية ما أثر بشكل كبير عليها، ففي الوقت الذي كانت تحظى فيه بدعم تركي قطري سخي، جفت هذه المنابع للتمويل بالتزامن مع بدء الحديث عن تفاهمات تجمع الحركة مع محمد دحلان القيادي المفصول من فتح والمدعوم من مصر والامارات التي تناصب العداء لقطر وتركيا، كما أن ثورات الربيع العربي غيرت شكل المنطقة والتحالفات السياسية فيها، الأمر الذي كلف الحركة كثيرا لاسيما في ظل الصراع السياسي ذي الغلاف الطائفي في المنطقة.
كما أن إعادة فتح قنوات الاتصال بين الحركة ومصر في العام الأخير أزعج باقي الأطراف، الا ان الحركة ما زالت سائرة باتجاه تعزيز العلاقة مع مصر الجارة الأقرب والتي تعتبر البوابة الوحيدة للقطاع على العالم الخارجي.
حاولت حماس أن تنفتح أكثر على مصر في العامين الماضيين بعدما مرت العلاقة بين الطرفين بقطيعة واتهامات غير مسبوقة، ورغم الدور المصري الواضح في المصالحة الا انها ما زالت غير قادرة على تحقيق اختراق واضح، كما أن العلاقة تأتي من بوابة الاستجداء وتبادل مصالح في نطاق ضيق، وليس من باب التحالفات والتقاء المصالح لذا تبقى العلاقة غير مستقرة ومن الصعب التعويل عليها بدرجة كبيرة.
أما المتغير الأهم فهو الإدارة الأمريكية الجديدة والتهديدات غير المسبوقة التي تحيط بالقضية الفلسطينية بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب القدس عاصمة للاحتلال في ديسمبر 2017 ما جعل المشروع الوطني الفلسطيني برمته امام تهديد وجودي، بينما الوضع الداخلي الفلسطيني منقسم وهش وغير قادر على مواجهته.
ومن اللافت ان حجم الضغوطات على قطاع غزة تزامنت في وقت واحد من كل الأطراف وعلى كل الأصعدة، وذلك كونها البوابة للحل المرتقب والهدف هو التجويع من اجل تركيع أهلها وحماس التي تقودها للقبول بالخطة الامريكية التي فعليا هي تصفية للقضية الفلسطينية.
وربما يفسر هذا الامر أيضاً تعنت أبو مازن اتجاه القطاع فهو يرغب في السيطرة الكاملة على القطاع وإخضاعه لسياسته وبرنامجه السياسي، بعيداً عن أي شراكة او مصالحة حقيقية، لذا فان الصراع ليس من يحكم غزة اليوم وانما من يحكم في المستقبل.
هذه الألغام التي تسير وسطها حركة حماس تجعلها أمام سيناريوهات صعبة:
أولها: المواجهة العسكرية مع الاحتلال: كل المعطيات تشير ان الحركة تحاول ان تتلاشى هذا السيناريو، كونها جربته سابقا ولم تتمكن من حصد مكاسب سياسية في ظل المعطيات السابقة التي تعيق أي تقدم سياسي، ولما له من تكلفة باهظة.
ثانيها: القبول بالحل الأمريكي المرتقب عبر البوابة المصرية التي قد تلعب دور الوسيط في حال أرادت الحركة ان تكون ضمن هذه المنظومة وهو أمر مستبعد لكن المراقب لأوضاع قطاع غزة يدرك ان الهدف هو دفع غزة نحو التسليم والقبول بدولة غزة وجزء من سيناء.
وربما يأتي في هذا الإطار المؤتمر الذي عقد في واشنطن بدعوة من الولايات المتحدة وحضور عدد من الدول العربية والغربية و(إسرائيل)، تحت شعار مناقشة أزمات غزة وبحث حلول لها فيما يبدو أنها ورقة مساومة.
الثالث: الانفجار الشعبي اتجاه الاحتلال وهو خيار يجري التحضير له من خلال مسيرة العودة المرتقبة في 30 مارس ومن ثم بالتزامن مع الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية 14 أيار، وهي إن نجحت في حشد مئات الآلاف من الغزيين وتنظيم فعالياتها ربما تحقق اختراقا مهما يؤدي لكسر الحصار عن غزة.