تأتي الدعوة لانعقاد المجلس الوطني نهاية الشهر المقبل بعد تعطله منذ عقدين، وفي ظل سلسلة من المتغيرات السياسية المحلية والدولية، علاوة على المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية جراء محاولات فرض صفقة القرن لتصفية القضية.
وكانت آخر دورة للمجلس الوطني عقدت في غزة خلال 22 - 25 أبريل 1996 دون أن يعقد مرة أخرى، بالرغم أنه وفق القانون يجب أن يعقد مرة واحدة في العام، وأكثر في الظروف الاستثنائية.
ومنذ نشأة المجلس الوطني عقد 22 دورة فقط، وكانت أولاها في مدينة القدس المحتلة، حيث نص النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في مادته (7) على أن مدينة القدس هي مقر المجلس الوطني، بينما نصت المادة (8) منه على أنه يمكن انعقاد جلساته في "أي مكان آخر حسب الظروف".
يشار أن الفصائل الفلسطينية ومنها حركة حماس اعتبرت الإعلان عن موعد انعقاد المجلس الوطني دون توافق فلسطيني يكرس الانقسام، معتبرة أن رئاسة منظمة التحرير تصر على التفرد بالقرار الوطني، لكن اللجنة التنفيذية رأت أن تحديد الموعد كان استحقاقا لابد منه، وفق قولها.
وعبرت حركة حماس عن رفضها لقرار اللجنة التنفيذية القاضي بعقد المجلس الوطني بهيئته وتركيبته الحالية، وعدّت ذلك خروجا صارخا عن الإجماع الوطني، مشددة على أن أيَّ قرارات تنتج عن هذا الاجتماع "لن تكون ملزمة ولا تمثل الشعب الفلسطيني".
ويعد قرار اجتماع المجلس الوطني تجاوزا لكل الاتفاقيات والتفاهمات المعلنة بالخصوص وتحديدا اتفاق القاهرة 2005 و2011 ووثيقة الوفاق الوطني 2006، والتي كان آخرها إعلان بيروت بتاريخ 11/1 / 2017 الناتج عن اجتماع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كافة بالإضافة إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وذكرت تسريبات صحفية أن رئيس السلطة محمود عباس يسعى من خلال اجتماع المجلس الوطني لإزاحة خصومه وضم آخرين للعبور بالسلطة وحركة فتح التي أصبحت منصهرة فيها إلى بر الأمان.
وتكشف مصادر خاصة وفقا لما نشرته صحيفة "الحياة اللندنية، أن المنظمة تحضر لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير، بعدما شارفت اللجنة الحالية على فقدان النصاب القانوني لانعقادها إثر وفاة أو مرض أو شيخوخة عدد من أعضائها.
وفي حال تغيب عضو واحد عن أي اجتماع مقبل، لأي سبب كان، فإن الاجتماع "يفقد النصاب القانوني".
وعلى ما يبدو فإن من أبرز المتغيرات التي دفعت إلى الإعلان عن موعد انعقاد المجلس الوطني هو الاعلان الوشيك عن صفقة القرن والضغط على الفلسطينيين لتمريرها من قبل أوساط عربية، وكذلك تحدي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس باعتبارها عاصمة (إسرائيل) كما أعلن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي.
ويعقب حسام الدجني المختص في الشأن السياسي على أسباب إصرار رئيس السلطة على عقد المجلس الوطني بعد تعطيله مدة عقدين، قائلا: "هناك اشكالية في اللجنة التنفيذية ولو توفي شخص واحد ستفقد شرعيتها، وبذلك يحاول ابو مازن ترتيب أوراق منظمة التحرير".
وبحسب متابعته، فإنه يؤكد "للرسالة" أن الدافع الثاني للتسريع في عقد المجلس الوطني مرتبط بما يحاك للقضية الفلسطينية من مؤامرة تعرف بصفقة القرن، لذلك يعمل على تجديد شرعية سياسية وترتيب آليات العمل الوطني في مواجهة هذه الصفقة حتى لا يتم تمريرها في الواقع الدولي والاقليمي بالغ السوء.
ووفق تقرير بثته قناة "i24News"، فإن عباس تعرض لضغط من دولتين عربيتين، هما السعودية ومصر، لدفعه تجاه القبول بخطة التسوية الأمريكية المنوي طرحها قريباً والمعروفة باسم "صفقة القرن"، وذلك بعد يوم من إعلان رياض المالكي وزير الخارجية الفلسطيني تذمره بشكل علني، من المواقف العربية التي قال إن فشلها في تطبيق قراراتها جعل أمريكا تتمادى في "نهجها الخاطئ".
ونقلت القناة عن مصدرين مقربين من القيادة الفلسطينية قولهما إن دولتين عربيتين مركزيتين ضغطتا على الرئيس عباس لقبول صفقة سلام عرضتها الولايات المتحدة، وأعلن المسؤولان أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قالا لعباس إنه "لا خيار أمامه إلا أن يكون براغماتيا ويقبل الصفقة".
وحسب ما كشفت القناة فإن الصفقة تشمل التنازل عن "حق العودة"، وعن إقامة العاصمة الفلسطينية في القدس الشرقية.
وذكرت أن الضغط السعودي المصري على القيادة الفلسطينية يتشدد، ويطلب من الرئيس الفلسطيني "عدم التحدي" ومواصلة التمسك بمواقفه أمام الولايات المتحدة و(إسرائيل)، معتبرين أن هذه أفضل فرصة لتحقيق صفقة سلام الآن، وإلا فسيندم على ذلك مستقبلاً.
ورددت وسائل إعلام عبرية أن رئيس السلطة قد يعلن استقالته من الحياة السياسية في غضون أسابيع قليلة، ويعلن عن وريث لمنصب رئيس حركة فتح ورئيس السلطة.
وهنا يعلق الدجني بالقول: "لا اعتقد أن أبو مازن سيعتزل الحياة السياسية فذلك ليس من عادة الحكام العرب، بل يريد من انعقاد المجلس ترتيب مناصب النظام السياسي خشية انهياره وتمرير صفقة القرن".
لكن ما يدفع للتنبؤ بأن الأيام المقبلة قد تشهد بعده عن المشهد السياسي هو تدهور حالته الصحية ومطالبة الأطباء له بأخذ إجازة والعناية بنفسه.