تتسارع خطوات صفقة القرن الأمريكية لتسوية القضية الفلسطينية على وقع عجز السلطة الفلسطينية عن مواجهتها، فبعد اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمدينة القدس عاصمة للاحتلال تم تحديد موعد نقل السفارة الأمريكية إليها، بل وبدأت سياسة فرض الأمر الواقع ومن ذلك إيقاف المساعدات الأمريكية المقدمة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينية كخطوة على طريق إنهاء وجود الوكالة باعتبارها أحد شهود نكبة الفلسطينيين.
ولم يتوقف ترامب عند هذا الحد، بل إن زيارة نائبه مايك بنس كانت للتمهيد وللإعلان عن هذه الصفقة رغم رفض السلطة الفلسطينية مقابلته، حيث تناقلت الأخبار أن السلطة قد أُعلمت عبر السعودية خلال زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة عن تفاصيل الصفقة.
ورغم معارضة الجمعية العامة للأمم المتحدة لللإعلان القدس عاصمة لإسرائيل إلا أن ذلك لا يبدو محل تأثير في الإدارة الأمريكية، فقد أقدمت بسرعة البرق على تطبيق ما تريده، وبمساعدة عربية تبدو هي الأخرى وسيلة ضغط على الرئيس عباس، فهل خارت قوى الأخير ولم يعد بمقدوره اتخاذ أي قرار رداً على كل الإجراءات المتتابعة ؟!، ولماذا يعلن عباس رفضه لصفقة القرن، وهو في ذات الوقت ما زال يحتفظ بدور المتفرج، ويطبق اتفاقيات التنسيق الأمني في الضفة، ويمارس ضغوطاته وعقوباته على غزة ؟!
لا ردود
المحلل السياسي الدكتور إبراهيم حبيب تحدث إلى "الرسالة" معلقا على فكرة افتقاد عباس للحيل في مواجهة صفقة القرن، مبيناً أن الأخير غير مفتقد للحيل بل هو "متماهي" مع الصفقة، مذكرا بأن السلطة كانت تراهن بإمكانية دفع الإدارة الأمريكية للعملية السياسية نحو طرق إيجابية، لافتا إلى أنه لم يعد هناك مجال للمناورة مع السلطة، وهي تدرك ذلك مستدلاً بقول الرئيس عباس في خطابه بالمجلس الثوري: "بأن الدولة بلا دولة والسلطة بلا سلطة".
وتابع أن مشكلة "إسرائيل" وأمريكا مع غزة وليست مع عباس، لذلك فهي تمارس ضغوطاتها عن طريق عباس الذي يلعب دور المطبق لصفقة القرن، لافتاً إلى أن ركوع غزة شرط لتمرير الصفقة، وإذا لم تركع غزة فإن صفقة القرن سوف تفشل بالفعل، وزاد قائلاً:" الضغط الممارس على غزة عن طريق السلطة ضمن خطة صفقة القرن"، مذكرا بأصوات محمود الهباش وعزام الأحمد الداعية لمزيد من التضيق على غزة، و"كل ذلك بهدف تمرير صفقة القرن"، وفق قوله.
وأوضح المحلل السياسي حبيب أن ما تريده "إسرائيل" من عباس يتمثل بعدم التفاوض على القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل بالإضافة إلى عدم تفكيك المستوطنات وعدم العودة لحدود 67 بالإضافة إلى رفضها المطلق لعودة اللاجئين وقيام الدولة.
ويتوقع أن هدف الاحتلال سيدفع ثمنه الفلسطينيون في كل الأحوال، "لأن أي حل لن يتعدى مجرد حكم ذاتي موسع يفتقد للحدود والأمن، بل هو إدارة خدمات إنسانية لا أكثر".
شخص آخر
ويجمع مراقبون على ضرورة تنازل الرئيس عباس عن منصبه واستبداله بشخص آخر يكون قادراً على إدارة المشروع الوطني، لاسيما أن عباس قدم كثيرا من التنازلات التي لم تحلم بها "إسرائيل" يوما، وأن استبداله فيه عرقلة لمرور مشروع صفقة القرن، حيث إن عباس جزء لا يتجزأ من الصفقة، وإسرائيل معنية ببقائه لتمريرها.
وعن هذا الرأي، سألت "الرسالة" المحلل السياسي تيسير محيسن الذي لم يستطع أن يحسم رأيه فيما إذا كان أبو مازن ضد الصفقة أم أنه جزء منها، ويستشهد بتقديمه قبل فترة مشروعا بديلا عن صفقة القرن، مؤيدا فكرة افتقاد السلطة للحيل كونها تفتقد الظهر العربي الذي كانت تراهن عليه والمتمثل بالأردن الذي كان يعلن على الدوام أنه ضد صفقة القرن، لافتا إلى أن الأردن تراجع والتزم الصمت حينما وجد أن أقطاب الدول العربية وفي مقدمتها السعودية ومصر متفقة مع صفقة القرن.
ولأن السلطة تفتقد الوسائل المساندة وأضحت لوحدها في المواجهة، يرى محيسن أنها تحاول إعاقة صفقة القرن من خلال الضغط على غزة، لتقوم هي بالدور الذي عجز هو عن القيام به، فهو أكثر الراغبين في انفجار غزة وما زال يمارس الضغط عليها حسب رأي محيسن، لكنه لا يستطيع أن يقول لا للإدارة الامريكية، وسيقولها من خلال انفجار غزة، ويعرف أن انفجارها سيكون في وجه "إسرائيل" وأي انفجار هو معرقل لصفقة القرن.
ويستشهد محيسن بدعوة الإدارة الأمريكية لعقد مؤتمر لمناقشة الوضع الإنساني لغزة، لأنها لا تريد أن تنفجر غزة في وجه "إسرائيل"، وأن الحل الإنساني هو فرصة لتمرير صفقة القرن. ويرى أن أبو مازن لم يحالفه ذكاؤه السياسي في التعامل مع فرصة المصالحة، وقد كان بإمكانه أن يتحالف مع غزة بعد أن تخلى عنه حلفاؤه العرب لإفشال صفقة القرن من خلال الوحدة الداخلية الفلسطينية.
ولا يرى المحلل السياسي طلال عوكل أن السلطة مفتقدة للحيل أو أنها جزء من صفقة القرن، لكنه يقول: "متتبع التحليلات والتسريبات لا يستطيع أن يجزم بأن السلطة منخرطة ومتواطئة أو حتى السعودية أو مصر، ولا يستطيع أحد محاسبة أحد، والظاهر أمام الجميع بأن الكل الفلسطيني يرفض الصفقة والكل الفلسطيني رفض المشاركة في مؤتمر واشنطن لمناقشة الوضع الإنساني في قطاع غزة".
ولكن يرى عوكل أن هناك مؤشرين مهمين هما القدس واللاجئين والتي تستخدمهما أمريكا للضغط، فكيف يمكن لأي فلسطيني أن يوافق على صفقة تتجاهل أهم ملفين فلسطينيين في القضية الفلسطينية. ويؤكد أن المصالحة الفلسطينية تفتقد للثقة بين الطرفين.