ازدادت وتيرة التحذيرات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة من انهيار الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، حيث حذر مسؤولون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من مغبة تواصل سياسة الإغلاق والحصار وعدم منح القطاع تسهيلات وإمداده بالكهرباء والمستلزمات الخدماتية الحياتية والمعيشية كافة.
وأعرب ضباط بجيش الاحتلال، عن القلق إزاء تداعيات وعواقب الضغط العسكري المستمر دون منح تنازلات، خاصة في ظل إغلاقات المعابر وتقليل عدد الشاحنات المحملة بالبضائع والتهديدات المتواصلة بقطع الإمدادات والمساعدات الدولية المقدمة، إضافة إلى أزمة الوقود والكهرباء التي تتأرجح بين زيادة ونقصان، وتفاقم أزمة المياه الملوثة، حيث إن 95% من المياه غير صالحة للشرب.
وفي مقال له قال هرتسي هليفي، رئيس هيئة الاستخبارات في جيش الاحتلال قبل أيام: "إن تردّي الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة يهدد بانفجار حقيقي في وجه "إسرائيل".
وسبق هذه التحذيرات والتخوفات الإسرائيلية المتزايدة تحذيرات أخرى من الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية تتوقع وصول غزة لمرحلة الانفجار.
ووفق مقال لغيورا ايلاند في صحيفة يديعوت احرونوت العبرية: ففي 2005 فكت (إسرائيل) ارتباطها عن غزة، ولكنها امتنعت عن خطوة سياسية كان يمكنها أن ترفع مسؤوليتها عن القطاع، مضيفًا أنه ومن ناحية القانون الدولي مكانة المنطقة لا يمكنها أن تكون إلا واحدة من ثلاثة: إما دولة (أو جزء من دولة)؛ إما منطقة برعاية دولية؛ وإما أرض محتلة، والنتيجة هي أن غزة لا تزال تعرف كأرض محتلة من (إسرائيل).
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل تتخوف "إسرائيل" من تدهور الوضع أكثر في القطاع، لا سيما في ظل الانعكاسات السلبية المتوقعة نتيجة تصاعد وتيرة الضغوط الداخلية في غزة وإمكانية انتهائها بمواجهة عسكرية أخرى.
وتعليقاً على ذلك، قال المحلل السياسي عمر جعارة: "إن (إسرائيل) لا تتخوف من انفجار الأوضاع بالشكل الذي نتخيله، فمدير الأمن القومي الإسرائيلي شرح الأوضاع في غزة لنائب الرئيس الأمريكي وأكد بالحرف الواحد على أنه لا مواجهة منتظرة في الفترة القريبة بين "إسرائيل" وغزة أو بين (إسرائيل) وسوريا أو لبنان".
وبين جعارة للرسالة أن أي انفجار يمثل محاولة لدفع وتسريع صفقة القرن، وتابع أن المسؤول عن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة هي (إسرائيل)، وهذا التحكم في الوضع الاقتصادي مقرون بالوضع الأمني لها، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تخفف الحصار عن قطاع غزة إلا بتحقيق مطالبها الأمنية".
ويرى أن الحصار المفروض على غزة لا يحرج (إسرائيل) "فهي حصلت على 36 صوتًا في الجمعية العمومية لصالحها، وهذا تطور في علاقاتها الدولية"، مضيفاً أن كل التضامن الشعبي لا يحرك فيها ساكنًا لأنها معنية في السلطات التنفيذية في الدول والسلطات لا تجرم (إسرائيل) بدليل أن هناك قرارات محاكمة بحق ليفني ونتنياهو قد صدرت دوليًا ولكنها لم تطبق".
وتابع قوله: "هذا كله لا ينفي مسؤولية (إسرائيل) عما يحدث من انهيار في قطاع غزة، فغزة ما تزال منطقة محتلة من قبل "إسرائيل" أمام العالم".
ابتزاز حماس
وفي ذات السياق، يرى المختص بالشأن الإسرائيلي د. مأمون أبو عامر، أن (إسرائيل) معنية بأن تظهر للعالم بصورة متوازنة، بحيث تحاصر غزة وتخنقها، وفي نفس الوقت تحمل حركة حماس مسؤولية هذا التردي والتدهور في الأوضاع، لافتًا إلى أنها في ذات الوقت تفكر في تبعات هذا الوضع وانعكاساته عليها، "فتحاول إمساك العصا من المنتصف".
وبين أن الجهات السياسية تلتف على الواقع لابتزاز حركة حماس وتحميلها المسؤولية "بل وافتعال أزمات معها لكي تكسب مواقف سياسية أمام العالم"، ومضى يقول: "هناك جهات إسرائيلية ترى أن هناك مصلحة من قيام حرب مع قطاع غزة، ولكن الأغلبية الإسرائيلية متفقة بأن الوضع في القطاع لا يصل إلى حرب، ولكنها ستظل تشد وترخي بطريقة الحصار المفروض عليها".
و"إدارة الضغط على قطاع غزة" يمثل سياسة إسرائيلية، وفق أبو عامر، مضيفاً أن الصبر المتزايد والتكيف مع هذا الوضع المتدهور من قبل أهالي القطاع يمثل سبباً يعطي (إسرائيل) ذريعة لزيادة حصارها والتفنن في خنق قطاع غزة، وتابع قائلاً: "إذا رأت (إسرائيل) أن هذا الحصار ليس له آثار سلبية كبيرة كما كان يتوقع فستزيد من هذه الضغوطات، والتي يمكن أن تكون طويلة المدى، لأنها ترى أن هذه الضغوطات يمكن أن تضعف حركة حماس نسبياً".