انقضى عام 2017 تاركا خلفه جملة من الانعطافات والتحولات المفاجئة في مواقف كل من "حماس" والقاهرة، وإذا ما أمكن وصف هذه العلاقة التي مرت خلال الأعوام الأخيرة بتغييرات كبيرة فهو عام تعزيز الثقة بين الطرفين.
وشهد العام المنصرم أحداث مهمة ومفصلية على طريق تعزيز الثقة بين الطرفين، وتحديدا من حركة حماس التي أطلقت مع بداية العام الماضي وثيقتها السياسية ولم تتطرق بالمطلق لجماعة الاخوان المسلمين، وهو ما تفسيره على أنه انفصال تنظيمي عن الحركة الأم دون التخلي عن الايدلوجيا والفكر الذي يجمعهم، إلى جانب قبولها بدولة فلسطينية على حدود حزيران 1976، والهدف الأساس منها أن تمنح هذه الوثيقة للحركة قبول دولي وعربي وتعمل على التوازن في علاقاتها مع جميع الأطراف وخاصة مصر التي أرادت حماس التأقلم مع القيادة الجديدة فيها.
وقد أظهرت الحركة في العام الأخير تحديدا قدرتها على المرونة والبراغماتية في العلاقات وإقرارها بالثقل والدور المصري الذي لا غنى عنه فلسطينيا، لذا كان واضحا أن حماس مستعدة لتقديم الكثير في سبيل تعزيز العلاقات مع مصر، وظهر هذا من سلسلة إجراءات مهمة اتخذتها.
ربما افتتحت الحركة العام بالمرونة السياسية من خلال الوثيقة لتتبعها بسلسلة من الإجراءات الأمنية والسياسية اللافتة أبرزها ضبط الحدود وإقامة منطقة أمنية عازلة على طول الشريط الحدودي مع مصر ومحاربة الجماعات المتشددة في القطاع.
وقد تلى هذه الخطوات انفتاح حماس واستعدادها التعاون مع القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان الذي يحظى بدعم النظام المصري، وما أعقبه من عقد عدة مؤتمرات في مصر لإعلاميين واقتصاديين ورجال أعمال محسوبين على دحلان.
لكن يبقى الانفتاح الأهم هو التحرك اتجاه المصالحة، حيث أظهرت حماس مرونة غير مسبوقة فيما يتعلق بملفات المصالحة وتخلت عن العديد من الشروط التي كانت تضعها مسبقا خاصة في مسألة التزامن والخطوات المتبادلة.
وأقدمت حماس وبشكل مفاجئ على حل لجنتها الإدارية في قطاع غزة، وتمكين حكومة التوافق من مزاولة مهامها في القطاع، والموافقة على إجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة التوافقية الجديدة برعاية مصرية.
البعض رأى في تحركات حماس بأنها هرولة نحو المصالحة ومصر لكن في المقابل هذه التحركات في القاهرة تدل على تغير حقيقي في تعامل مصر مع الحركة والإقرار بثقلها الأمني والسياسي، وأن القاهرة تريد الظهور بصورة القادر على إنجاز الملفات في فلسطين كالمصالحة والحدود وتبادل الأسرى، في مواجهة تحركات قطر وتركيا.
في المقابل أقدمت حماس بكل ثقلها على تحسين علاقاتها مع مصر كونها البوابة الوحيدة لقطاع غزة نحو العالم، فهي تدرك أنه لا يمكن الاستغناء عن الدور المصري في أي من الملفات الفلسطينية، وبمعزل عن الخلافات الأيدولوجية فلا سبيل لتطوير علاقاتها الخارجية والإقليمية الا عبر البوابة المصرية.
وتهدف الحركة من تعزيز ثقتها في الجانب المصري لتحقيق ثلاثة أهداف مرحلية وهي:
الأول: فتح معبر رفح الذي يشكل بوابة غزة للعالم والذي يعاني أهالي القطاع من إغلاقه المستمر ما جعل القطاع اشبه السجن وقد شهد المعبر تحسنا طفيف جدا بمقارنة الأعوام السابقة، رغم تسليمه للسلطة الفلسطينية.
الثاني: تخفيف الضغط الاقتصادي على القطاع من خلال السماح بالتبادل التجاري بين مصر والقطاع الأمر الذي من شأنه أن ينعش الوضع الاقتصادي المتدهور في القطاع، الأمر الذي لم يتحقق بعد.
الثالث: الضغط المصري على الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإنجاز ملف المصالحة وقد قدمت مصر عدة خطوات في هذا الإطار، لكن ما زالت السلطة تحاول تعطيل هذا الملف وهو ما أغضب الجانب المصري.
ومما سبق يتضح المرونة العالية التي أبدتها الحركة خلال فترة قصيرة لتعزيز العلاقة مع الجارة الكبرى في انتظار أن يبدأ الحصاد خلال العام الجديد، حيث تأمل الحركة أن تؤثر العلاقات على عدة أصعدة:
الأول: تنتظر حماس من مصر خلال العام الجديد تنفيذ الوعود بتفكيك أزمات قطاع غزة، سواء بجهود مصرية مباشرة أو من خلال الضغط على السلطة الفلسطينية لتطبيق المصالحة وتولي مسؤولية غزة من قبل حكومة فلسطينية متفق عليها، خاصة في القضايا المعيشية مثل فتح المعبر وتحسين الكهرباء والسماح بتبادل تجاري ينعش الاقتصاد في القطاع.
الثاني: وعلى المستوى الاستراتيجي فإن الحركة ترغب في كسب فاعل إقليمي كبير مثل مصر حتى تضمن وجودها كلاعب رئيسي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وتدفع باتجاه علاقات متوازنة مع باقي الدول العربية.
الثالث: تأمل حماس في أن علاقاتها الإيجابية بمصر تساهم في إدخالها منظمة التحرير التي أُسست بقرار عربي مصري، حيث تسعى الحركة أن تصبح لاعبا رئيسيا في العملية السياسية خاصة في ظل الحديث عن بديل أبو مازن.
ولا تنكر الحركة أن الهدف الأهم بالنسبة لها في ملفات المصالحة هو ملف المنظمة التي تحظى باعتراف عربي ودولي وتحتكر القرار السياسي الفلسطيني، ودخولها المنظمة يجعلها لاعبا مهما لا يمكن تجاوزه في المستويات السياسية كما الميدانية.