"العلم نور" جدارية قد تراها مكتوبة على أسوار أغلب المدارس، لكنها قد لا تعبر عن الواقع أحيانا، فالمشهد أحيانا عبارة عن حاوية وبرميل بلاستيك يطفح بالنفايات وأطفال بزيهم الدراسي تحولوا إلى عمالة في مدارسهم بدلا من تلقيهم العلم، أو تهيئتهم وخلق المناخ الملائم لتعليمهم، حيث تلجأ إدارات مدارس الأونروا إلى تسخيرهم في أعمال النظافة في الفصول والممرات والساحات، تعويضا عن عدم توظيف الاونروا عددا كافيا من عمال النظافة، مكتفية بآذن واحد يعجز عن تنظيف مدرسة كبيرة قد تحتاج إلى عدد أكبر ليحافظ على مستوى نظافة مقبول لبيئة دراسية مناسبة.
تشغيل الطلاب في المدارس قد يتطور ليصبح ظاهرة يطورها الأطفال لممارسة الأعمال خارج أسوار المدرسة تعويضا عن ضعف اقتصادي أو غياب الأب، مما يترك آثاراً سلبية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، وقد يأخذ هذا الاستغلال أحيانا أشكالاً عديدة أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين لها جسدياً ونفسياً.
وتجرم العديد من الاتفاقيات الدولية الاستغلال الاقتصادي للأطفال: (تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون مضراً أو أن يمثل إعاقة ليتعلم الطفل أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي (اتفاقية حقوق الطفل -المادة 32-1).
وقد عرفت القوانين الدولية التشغيل السلبي للأطفال بأنه العمل الذي يضع أعباء ثقيلة على الطفل، والذي يهدد سلامته وصحته ورفاهيته، وكذلك الذي يستفيد من ضعف الطفل وعجزه عن الدفاع عن حقوقه، والذي يستغل الأطفال كعمالة رخيصة بديلة عن عمل الكبار.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في عام 1989 اتفاقية حقوق الطفل التي عرفت الطفل بأنه "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وأكدت على ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطرا أو يمثل إعاقة لتعليمه أو ضررا بصحته أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي، وأوجبت على الدول الأطراف فيها اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل هذه الحماية".
التربية تتقدم على التعليم
ويشير الخبير التربوي إبراهيم العبيدي إلى أن التربية تتقدم على التعليم في اسم وزارة التربية والتعليم، ومضى يقول: "من الاتجاهات الإيجابيَّة تعزيز الأعمال التطوعيَّة لدى الطالب، حيث تعدّ المدرسة بيئة خصبة لرعاية وتعزيز هذا الاتجاه، وهناك أهداف سلوكيَّة ينبغي تحقيقها من خلال تشجيع العمل التطوعي في المدارس، بهدف نشر وتعزيز ثقافة العمل التطوعي، والتعريف بها، وذلك من خلال التربية العمليَّة على ذلك".
إلا أن العبيدي يؤكد أن هذه الأعمال التطوعية لا يجب ان تقتصر على أعمال النظافة بل تتضمن أنشطة مختلفة بهدف إكساب الطالب الخبرات الميدانيَّة اللازمة في الأعمال التطوعيّة وتعزيز روح الانتماء للمدرسة، وللجماعة، والمجتمع.
المعلم (س-ع) أفادنا بأنه يطلق على واجب النظافة الموكل للطلاب مسمى النوبة، ويقوم به الطلاب بشكل أسبوعي طوال العام الدراسي، وتحت إشراف المدرس مربي الفصل مباشرة.
ويضيف المعلم أن النوبة لا تقتصر على الطلاب فقط بل يحاسب عليها المعلم من إدارة المدرسة، وتنقسم النوبة إلى قسمين، قسم من الطلاب يوكل بنظافة الفصل، وقسم آخر يوكل بنظافة الممرات وساحة المدرسة.
وتتضمن "النوبة" استخدام المكنسة اليدوية، ورش الماء، وجمع القمامة في براميل بلاستيكية وإلقائها في حاويات القمامة خارج أسوار المدرسة.
وأكد المعلم أن هذا العمل الذي لا توجد به قرارات مكتوبة موجهة من الأونروا للمدارس، لكنه يتم تحت سمع وبصر مدراء المناطق ومدار التعليم في الوكالة مرورا بالمشرفين التربويين.
الأونروا تنفي
الأونروا من جانبها نفت في رد مكتوب على اسئلتنا عبر البريد الإلكتروني أي وجود لنظام (النوبة) لتشغيل الطلاب في أعمال التنظيف سواء للفصول أو للساحات والممرات في مدارسها، وأوضحت أن هذا الأمر لا يتعدى إكساب الطلبة قيمة النظافة والتطوع من خلال سلوكيات وأعمال خفيفة مثل جمع بعض الاوراق من الساحات المدرسية، مؤكدة في ذات الوقت أن أعمال النظافة الرئيسة الأخرى هي مسئولية أذنة المدارس.
وقالت إنها قامت بتوظيف 428 آذن مدرسة هذا العام على بند خلق فرص عمل بالإضافة إلى الاذنة الرسميين الموجودين في المدارس وهذا العدد كاف للقيام بأعمال النظافة الأساسية. كما نفت الأونروا وجود أي عقاب بدني أو خصم من الدرجات، أو حتى التوبيخ للطلبة الذين يقصرون في نوبة النظافة، موضحة أن الوقت المخصص لنوبة النظافة لا يعد وقتا مهدورا بل هي في سياقها التطوعي.
لكن أحد الطلاب في مدرسة تابعة للأونروا غرب غزة قال: "نخرج في اليوم المعين للنوبة مبكرا جدا من البيت حتى قبل أن تطلع الشمس للقيام بأعمال النظافة قبل موعد طابور الصباح المحدد لدوام الطلاب". وعن تأثير هذا العمل عليه قال الطالب أن هذا العمل يشكل عبئا عليه وليس الاستمتاع، لأنه إن لم يقم به فسيواجه بتوبيخ شديد من المعلم او مدير المدرسة.
بدوره، أعرب رئيس مجالس أولياء الأمور زاهر البنا عن رفضهم لتشغيل الأطفال في أعمال النظافة في المدارس "ما قد يؤثر على تحصيلهم العلمي"، مطالباً الأونروا بتشغيل مزيد من الايدي العاملة لتقوم بهذا العبء، مضيفا أن الأهالي يرسلون أبناءهم للتعلم في المدرسة وليس ليقوموا بأعمال النظافة لتعويض النقص في عمال النظافة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مجالس أولياء الأمور مع تعليم الطلاب أهمية الأعمال التطوعية التي تعود بالفائدة على المدرسة وعلى المجتمع.
وأضاف البنا أن اتحاد مجالس أولياء الأمور سيرفع تصورا للأونروا لتنظيم هذه العملية، مؤكداً أنهم سيطالبون الأونروا بتشغيل مزيد من عمال النظافة في المدارس ولو على بند البطالة للقيام بعبء التنظيف وإعفاء الطلاب.
مضاعفة أعداد العمال
من جانبه، طالب د. عصام عدوان رئيس دائرة اللاجئين في حركة حماس، الأونروا بمضاعفة أعداد عمال النظافة في كل مدرسة، لثلاث غايات: تحقيق بيئة صحية ونظيفة في المدرسة، وتشغيل أيدي عاملة من اللاجئين، وحماية الأطفال من العمل. وتبقى إدارة الأونروا في قطاع غزة مسئولة عن ذلك، كما أشار عدوان إلى أن الأونروا وُجِدت في الأصل لتشغيل اللاجئين وإغاثتهم، لكنها لا توفر العدد الكافي من عمال النظافة داخل كل مدرسة، فمدرسة من فترتين تعتمد على عامل نظافة واحد فقط، الأمر الذي يدفع إدارة المدرسة لتشغيل طلابها في التنظيف، ومن المعلوم أن عمالة الأطفال مرفوضة عالمياً، ولا يصح للأونروا وهي منظمة دولية أن تعتمد على تشغيل الأطفال.
بدورها، قالت الخبيرة القانونية في المركز الفلسطيني لحقوق الانسان أحلام الأقرع:حلام "إن هذا العمل يعد مسا بحقوق الطفل الذي ينص على أن كل شخص دون سن 18 هو طفل يجب أن يأخذ حقه في التعلم واللعب دون أي مسؤوليات من قبيل التكليف بنظافة المدرسة تحت طائلة العقاب حتى ولو بالعقاب النفسي كالتوبيخ".
وأضافت الاقرع أن استمرار ما يسمى بالنوبة في مدارس الأونروا للتعويض عن نقص الأذنة لا يعفي الوكالة من المسؤولية حتى وإن لم يكن هناك أي توجيهات مكتوبة من الوكالة لتنفيذ هذا السلوك لأن النوبة تنفذ تحت سمع وبصر مسؤولي الأونروا.