في مواجهة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يجد رئيس السلطة نفسه كما يرى مراقبون في وضع صعب وبلا خيارات ولا أوراق قوة يستند عليها، لاسيما في ظل حالة التردي والانشغال العربي.
وبعد 23 عاماً على توقيع اتفاق أوسلو، لا يختلف أحد من القيادة الفلسطينية وعلى رأسها مهندس الاتفاقية على أن ذلك الاتفاق انهار في ظل التزام الفلسطينيين فقط به وتتويجه بمنح القدس لـ(إسرائيل).
وأقر مسؤول فلسطيني كبير، في حديث لوكالة الأناضول، باستشعار القيادة بـ"خطورة الأوضاع الحالية"، كاشفا أن السلطة الفلسطينية تدرس عددا من الخيارات لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية المتوقعة، ومن أهمها التوجه إلى مجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة لطلب تنفيذ القرار الأخير 2334 الخاص بالاستيطان.
القرار الأمريكي يضع مستقبل السلطة ورئيسها على المحك فبعد أكثر من عشرين عاما من التنازلات، وتقديم أنفسهم على أنهم الشريك المعتدل لم يجدوا سوى الكوارث التي قد تصيبهم في مقتل.
ثلاثة مواقع متداخلة ومتشابكة يشغلها أبو مازن، فهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ورئيس حركة فتح وقائدها العام، إلا أن المنظمة والسلطة تآكلت شرعيتهما، في حين تعاني "فتح" من وضع متردٍّ، تزيده سوءاً صراعات السلطة، وغياب الأفق السياسي.
ومنذ شهرين وقبل كارثة القرار الأمريكي قالت مجلة نيويوركر الأمريكية إن حركة "فتح" توشك على الوصول إلى نهاية طريقها، معتبرة أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يمثل آخر أمل لها للوصول إلى تسوية سلمية مع (إسرائيل) من خلال المفاوضات.
ونشرت الصحيفة تقريراً استعرضت فيه توقعات عن وضع القيادة الفلسطينية ومستقبلها، استناداً إلى ما نقلته عن الباحثين الفلسطينيين حسين أغا وأحمد سميح الخالدي، اللذان كانا مشاركين في المفاوضات بين (إسرائيل) والفلسطينيين على مدى ثلاثة عقود مضت.
وتصف "نيويوركر" مؤسسات حركة "فتح" بأنها "تتعفن"، في ظل عدم وجود قيادة بديلة، أو نجاح سياسي واضح، ودون تقدم في مسيرة التسوية مع وجود خصومات إقليمية.
وعن مستقبل عباس وشعبيته قالت الصحيفة: "إن مكانة عباس في أوساط شعبه تضررت جدا لمشاركته الثابتة والعقيمة في المسيرة السلمية، وبسبب معارضته العنيدة للكفاح المسلح، إضافة إلى التزامه المطلق بالتعاون الأمني مع (إسرائيل)".
ويستعرض الباحثان "كيف أصبحت الساحة السياسية الفلسطينية نظاماً سياسيا من رجل واحد(..)، وكيف تعمل القيادة على إسكات كل معارضة سياسية حقيقية.
الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أسعد أبو شرخ اعتبر أن مستقبل الرئيس السياسي انتهى، مشيرا إلى أنه رغم ذلك سيستمر في العملية السلمية مع تغير الراعي للحفاظ على وجوده المرتبط بالمفاوضات.
وبحسب أبو شرخ فإن عباس لا يؤمن إلا بنهج المفاوضات فباتت السلطة كشركة خاصة يهمها نفسها وموظفيها بغض النظر عن أي طرف آخر، موضحا "للرسالة" إن الأوضاع ستبقى كما هي للحفاظ على وجود الشركة، خاصة وان المفاوضات أثبتت فشلها قبل قرار ترمب إلا أن شيئا لم يتغير.
ويرى أبو شرخ أن الوضع الفلسطيني لا يعالج إلا بالعنف الثوري ومحاكمة كل من أساء للقضية الفلسطينية، لافتا إلى أن الحالة الثورية هي وحدها القادرة على التخلص من أوسلو وتبعاتها.
بدوره تساءل الشيخ كمال خطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية بالداخل، بعد قرار ترمب قائلا: أبو مازن (رئيس السلطة الفلسطينية) ينسق مع رؤساء الدول ضد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وينسق مع الاحتلال الإسرائيلي أمنيا لمواجهة أي هبّة شعبية فلسطينية ضد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فأي أبو مازن نصدق؟!
وجاء تعقيب الشيخ كمال خطيب في تغريدة له حيث أضاف: “أبو مازن هو مهندس أوسلو، وواضع تفاصيلها، وهو من وافق على تأجيل قضية القدس إلى مفاوضات الحل النهائي، حيث تغيرت تضاريس القدس سكانيا وعمرانيا وجغرافيا، فأصبحت القدس غير القدس منذ أوسلو وحتى الآن”.
وفي ذات السياق يقول الكاتب غيث العمري إن "إعلان ترمب ابتعاد عن السياسة الأمريكية التي استمرت 70 عاما تقريبا، بالإضافة إلى أنه وضع رئيس السلطة الفلسطينية في وضع أصعب، خاصة أن وضعه صعب أصلا؛ فهو في منتصف عملية مصالحة حساسة مع منافسيه في حركة حماس، كما أنه يواجه شعبا يزداد تشككا في قيادته وفي دور الولايات المتحدة في العملية السلمية".
ويعتبر الكاتب في مقال له أنه "لم يكن أمام رئيس السلطة الفلسطينية سوى أن يشجب بشدة التغير في السياسة الأمريكية لسببين؛ الأول يتعلق بالوضع المحلي، فلا يمكن لأي زعيم فلسطيني -خاصة زعيم ضعيف مثل ما هو عليه عباس اليوم-السباحة عكس تيار الاحتجاج.
ويذهب العمري إلى أن على عباس أن يصد المنافسين في حركة حماس وغيرها من قوى المعارضة، الذين يتهمونه بالسذاجة.
ولفت إلى أن ما يجري سيشجع البعض من حزبه بسبب سنه وضعف موقفه الانضمام إلى الجوقة على أمل تلميع مؤهلاتهم الوطنية قبل التنافس على منصبه، وفي ظل هذه الظروف فإنه من الصعب التخيل كيف يمكن لعباس العمل مع إدارة ترامب على خطة للسلام".