من المقرر أن تجتمع الفصائل الفلسطينية في القاهرة الثلاثاء، لبحث استكمال ملفات المصالحة الفلسطينية، وتقييم ما تمّ إنجازه خلال المدة الماضية، ويبرز من بين المطروح للنقاش غدا ملف منظمة التحرير، التي تمثل الإطار القيادي الناظم للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، باعتبار أنها تضمّ ثلاثة مكونات أساسية هي: المجلس الوطني، والمجلس المركزي، واللجنة التنفيذية.
وبما أن اتفاق القاهرة 2011 كان المرجع الأساسي للحوارات والتفاهمات الأخيرة، فإن من المقطوع به بشأن المنظمة أن يتمّ العودة إلى نصّ الاتفاق المتعلّق بها، ومفاده: "تفعيل وتطوير منظمة التحرير وفق أسس يتم التراضي عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية وفقا لاتفاق القاهرة مارس 2005، وكما ورد في الفقرة الثانية من وثيقة الوفاق الوطني يونيو 2006".
يُنتظر من المجتمعين غدا أن "تتحوّل النوايا الحسنة إلى برنامج عمل قابل للتنفيذ"، وهي نفس الديباجة التي بدأ بها اتفاق القاهرة في الرابع من مايو 2011، الذي بدأ بمنظمة التحرير نظرا إلى الأهمية والحاجة الكبيرة إلى تفعيلها وتطويرها؛ انطلاقا من كونها قاعدة النظام السياسي الفلسطيني، وللخروج بها من حالة التراجع والتهميش التي تمر بها اليوم.
يبلغ عدد الفصائل المنضوية بشكل رسمي في إطار منظمة التحرير 11 فصيلا باستثناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتان تملكان رؤية مغايرة ومتعارضة مع نهج حركة فتح التي قادت التحولات الجذرية في ميثاق المنظمة من الكفاح المسلح إلى التسوية السلمية، وأغلقت الطريق على أي محاولات لفرض برنامج يتعارض مع ذلك، وهي المعضلة الأساسية في الحوار المقرر غدا: البرنامج السياسي للمنظمة.
فحركة فتح ستصرّ على البرنامج القائم للمنظمة على ضوء ارتباطها باتفاقات سياسية ملزمة في مقدمتها أوسلو، الذي سيرفضه المجموع الفصائلي، وفي مقدمتهم حماس، ويطالب بالاحتكام إلى مبدأ الحوار والشراكة واختيار البرنامج الذي تقرره الأغلبية الوطنية الذي لن يتجاهل ما أسقطته فتح: المواجهة مع الاحتلال.
يقول إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، إن لدى حماس ثلاث أولويات على أجندة حوار القاهرة لها أثر كبير على تركيبة المشهد الفلسطيني في المرحلة المقبلة، من بينها منظمة التحرير التي قال بشأنها: "قرار حماس في الداخل والخارج مع المصالحة، ومع الدخول للمنظمة لترتيبها سياسياً وإدارياً، بمشاركة الكل الفلسطيني".
سيقرر ذلك ما يمكن الاتفاق عليه بشأن المجلس الوطني للمنظمة، الذي فصلت فيه اللجنة التحضيرية التي انعقدت في بيروت بشهر يناير الماضي، وانتهت إلى الطلب من رئيس المجلس استكمال الإجراءات لإنجاز نظام انتخابات المجلس الوطني "من خلال الانتخاب حيث أمكن، والتوافق حيث يتعثر إجراء الانتخابات"، وهو ما لم تبادر إليه فتح عمليا، بل خالف الرئيس محمود عباس الإجماع وحاول عقد المجلس في مدينة رام الله بصيغته القديمة.
والمجلس الوطني هو أعلى سلطة في المنظمة، ويمثل المجلس النيابي التشريعي في الدول، وهو الجهة التي تضع السياسات العامة، والخطط، وتتابع أداء قيادة م.ت.ف وتحاسبها، ويتكوّن من مندوبي الفصائل الفلسطينية، وممثلي الاتحادات النقابية والطلابية والمستقلين.
وكان يفترض أن ينعقد المجلس مرة كل سنة، لكن عدم وجود جهات مضيفة تسمح له بحرية القرار ولقيادته بحرية الحركة، وعدم سهولة تجميع الممثلين المشتتين على مواطن الشتات الفلسطيني، أضعف من فرص اجتماعاته. كما لم تعد قيادة المنظمة تدعو هذا المجلس إلا لتمرير قرارات سياسية تم اعدادها مسبقا، إضافة إلى أن مصداقية المجلس التمثيلية للشعب الفلسطيني تأثرت بشكل كبير عندما عمدت قيادة المنظمة إلى إدخال عناصر كثيرة موالية، تحت بند المستقلين.
وتضخمت أعداد أعضاء المجلس من مائة سنة 1968 إلى أكثر من 500 في الثمانينات، ووصل في المؤتمر الـ 21 المنعقد في غزة في مايو 1996 إلى 604 أعضاء، وفي كثير من الأحيان كان تؤخذ القرارات بـ "التصفيق". ومن أجل ذلك، صدرت مطالبات بتعديل عدد أعضاء الوطني إلى 350 عضوا، يجري اختيارهم على قاعدة الانتخابات حيثما أمكن، والتوافق على الأماكن التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، باعتبار أن هذا الرقم نسبة معقولة مقارنة بالمجموع العام للشعب الفلسطيني، ويسهّل من عملية عقد اجتماعاته الدورية.
سيكون على مصر، صاحبة الفضل في إنشاء منظمة التحرير، أن تترجم هذا الدور التاريخي إلى ترجمة عملية، فهي أمام مهمة كبيرة تتعلق بقائمة طويلة من المطالب الوطنية الداعية إلى إصلاح منظمة التحرير، وفتح أبوابها أمام من يرفضهم الرئيس أبو مازن حرصا منه على تفرّده بالقرار الفلسطيني، كما تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تفعيل المنظمة وتطويرها في مواجهة التحديات التي كان آخر التهديد بإغلاق مكاتب المنظمة في واشنطن.
الراجح أن ملف المنظمة لن تخضع لحوار طويل في ظل وجود وثائق وبنود متفق عليها، وبعبارة أخرى فإننا لن نشهد اتفاقا جديدا بشأن م.ت.ف بقدر ما سيكون أمام مصر ممارسة دورها في الضغط على الأطراف لتنفيذ الاتفاقات السابقة، وهذا ما سيقرره السلوك السياسي لأبو مازن.