على عجالةٍ وبشكلٍ مفاجئ، طار الرئيس محمود عباس إلى الرياض بناء على دعوة موجهة من القيادة السعودية التي لم تفرج عن أي معلومات حول أهداف هذه الزيارة المتزامنة مع قرارات الاعتقال الملكية، التي حظيت بثناء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
توقيت الزيارة وسرعة استجابة الرئيس عباس الذي قطع مشاركته في أعمال "منتدى شباب العالم" وقفز من شرم الشيخ إلى الرياض مباشرة، أتاح للمحللين السياسيين والمراقبين مساحات واسعة لتقدير أسبابها، خصوصاً انها تأتي في أعقاب قطع شوط كبير في ملف المصالحة الفلسطينية برعاية مصرية.
ثلاثة سيناريوهات لظروف الزيارة، جميعها تدور في رحى سعي السعودية الى تطويق العلاقات الإيرانية الممتدة في المنطقة العربية، بعد أن أنهت الرياض ترتيباتها مع إدارة ترامب، الهادفة إلى إعادة صياغة المشهد الإقليمي، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والسعودية والإسرائيلية.
إبعاد إيران عن الساحة الفلسطينية
يحمل السيناريو الأول ما كشفت عنه صحفية هآرتس العبرية، بأن استدعاء السعودية لعباس جاء للتباحث معه حول سبل تطبيق التصور المشترك الذي صاغه كل من ابن سلمان وجاريد كوشنر كبير مستشاري ترامب وصهره، خلال زيارة الأخير السرية للرياض قبل أسبوعين.
ووفقاً للصحيفة، فإن الرياض قررت اتخاذ إجراءات سريعة لتقليص النفوذ الإيراني في الساحة الفلسطينية، مشيرة إلى أن قلقلاً ينتابها بعد الوتيرة العالية للزيارات التي أجرتها وفود من حركة حماس إلى طهران خلال المدة الماضية.
وكشفت هآرتس، التي استندت فيما طرحته إلى مصادر مقرّبة من عباس، عن أن ابن سلمان ناقش مع أبو مازن الخطوات التي من شأنها أن تقلّص من التأثير الإيراني في الساحة الفلسطينية، مشيرة إلى أن أمريكا والسعودية اقترحتا احتواء التدخل الإيراني؛ من خلال تسريع إعادة إعمار قطاع غزة، وتقديم رزمة مساعدات للسلطة الفلسطينية تساعدها على تفعيل ملف المصالحة مع حماس.
قطر وتركيا حاضرتان
لم يزح السيناريو الذي كشفته هآرتس النقاب عن الوجه الكامل للزيارة، إلا أنه يحمل مضمونًا واقعياً لا يمكن استبعاده، ولو تعمقنا أكثر فيما يدور سنجد أن زيارة صهر ترامب إلى (تل أبيب) مباشرة بعد الرياض، والتقائه بنتنياهو وقادة أجهزة الاحتلال الأمنية ستكوّن الفرضية أن "إسرائيل" وضعت كوشنر في صلب التصورات التي ترسمها للخروج من "مأزق حماس".
وهذا ما أكده تصوّر نشره مركز أبحاث الأمن القومي "الإسرائيلي"، يقوم على اقتراح (تل أبيب) مقايضة مشاريع إعادة الإعمار في قطاع غزة بأن تتخلى الحركة عن قوتها العسكرية، وهنا يتمحور السيناريو الثاني، ووفق تصور (إسرائيل)، فإن طيّ هذا الملف يهدف وفق المخطط إبعاد قطر وتركيا عن المشهد الفلسطيني، وليس إيران فقط.
ويعتقد مراقبون أن السعودية ستُحمّل الرئيس عباس رسالة واضحة لحماس سيترتب عليها كثيرًا من القرارات التي طبختها السعودية في هذا الجانب مع الإدارة الأمريكية و(إسرائيل) خلال المرحلة المقبلة.
المصالحة وصفقة القرن
ويحمل السيناريو الأخير مضمونًا أكثر شمولية للزيارة، إذ يوضح المحلل السياسي عمر القرعاوي لـ "الرسالة" بأن السعودية ستسعى في المرحلة المقبلة إلى إيجاد حلول للملفات الأكثر تعقيداً في المصالحة بين حركتي فتح وحماس، مثل ملف الأمن والانتخابات التشريعية والرئاسية.
ويؤكد القرعاوي أن استدعاء عباس للرياض أتى بعد مشاورات كبيرة بين الرياض والإدارة الأمريكية لإطلاق "عملية السلام" بين (إسرائيل) والفلسطينيين بما يعرف بصفقة القرن التي تحدث عنها ترامب منذ وصوله للرئاسة.
ويبين المحلل السياسي أن إتمام المصالحة والالتفاف على سلاح حماس وإبعادها عن المشهد الإيراني بعملية تسوية سيمهد الطريق لصفقة القرن، وهذا الدور ملقى على السعودية التي تتسلح بموقعها المحوري والحساس في المنطقة.
وحذر القرعاوي من خطوات أكثر خطورة في حال رفضت حماس أن تتخلى عن سلاحها، داعياً الفصائل الفلسطينية إلى التوحّد والالتفاف خلال المرحلة المقبلة؛ من أجل إحباط جميع هذه "المحاولات الخطيرة".