كان للتو قاد عاد إلى البيت بعد يوم طويل من العمل، متجهًا كما كل مرة صوب زوجته ليطمئن على صحتها وهي في أيام حملها الأخير، ومن ثم يتجه نحو أطفاله الثلاثة يعانقهم بكل شوق وكأنها المرة الأخيرة التي يراهم فيها.
في هذا الوقت كانت زوجة الشهيد " أحمد أبو عرمانة"، منهمكة في اعداد مائدة الغداء له لاستقباله بعد يوم شاق وطويل من العمل، "دقائق وتكون السفرة على مائدة الطعام"، هكذا أرادت أن تصبر زوجها، كما تروي لحظاتها الأخيرة معه.
دقائق معدودة كانت فاصلة بين اعداد مائدة الطعام والاتصال الذي جاء للشهيد "أحمد"، يدعوه بالتوجه سريعا نحو نفق للمقاومة قصفته طائرات الاحتلال، فأرتدى ملابسه ، ومضى قبل أن يطبع قبلته الأخيرة على جبين زوجه، قائلا:" لا تقلقي اطعمي الأطفال وسأعود سريعا".
"إلى أين ستذهب يا أحمد لقد انتهيت من اعداد المائدة"، سؤال أخير لم تجد له إجابة من رفيق دربها، سوى نظرة سريعة وتمتمة غابت فيها تفاصيل الحياة "لا تقلقي سأعود"، تصمت الزوجة ثم تنهمر بالبكاء .. "خرج ولم يعد".
خرج الشهيد "صاحب الأحلام البسيطة" كما يحلو لرفيقة دربه أن تصفه، دونما أن يطبع قبلته الأخيرة على جبين أطفاله، أو يراجع دروسهم الأخيرة كما كان دأبه، ولم يسألها أيضا عن وضع جنينها وهي تعد الساعات الأخيرة للولادة.
وتواصل الزوجة بكاءها: "كان شغفا بمولوده الجديد وكأنه الأول، وجاء مبكرًا للاطمئنان على ترتيبات الميلاد، كان يحلم أن يربي أبناءه ليكونوا رجالا".
خرج "أحمد" من منزله الذي أتى الفقر عليه وأكل جدرانه، فهو بسيط ومتواضع آيلة جدرانه للسقوط في أي لحظة، بيت له جولات وصولات في الصراع مع الإسرائيليين منذ بداية الانتفاضة حيث شهد فيه مقتل 4 إسرائيليين في أحد الاجتياحات آنذاك.
تقول زوجته "كان أحمد بسيطا في أحلامه فهو لم يحلم بحياة أكثر من أي حياة عادية، كان فرحًا بقدوم طفله الصغير، يشاورني عن الاسم الذي سنطلقه عليه، لكنّه خرج وسيأتي أحمد من بعده".
دموع الزوجة التي لم تتوقف وهي تنظر إلى اطفالها الذين يبيتون بجوارها، دون والدهم كما كل يوم، وكانت بجانبها والدة الشهيد التي باتت صلبه ثابتة كما الامهات المكلومات تصبر كنتها على وجع الفراق.
تقول بنبرة قوية: "ليس الشهيد الأول فنحن عائلة قدمت عشرات الشهداء وفي كل مرحلة لنا شهيد، ولدته وربيته ليكون شهيدًا، وفي أي لحظة كان يجب أن يأتينا خبر استشهاده".
وتروي والدته لحظة تلقيها نبأ استشهاده، "أثناء عودتي للبيت سمعت على المذياع نبأ استشهاد شباب السرايا واذيع اسم ولدي أحمد أبو عرمانة، فوضعت يدي قلبي وبدأت اصرخ ولدي إنه ولدي".
وعادت الأم الى البيت سريعًا لتسجد سجدة شكر لله، فوجدت والده على الباب وعلمت أنه علم استشهاد نجله الأصغر.
وتذكر والدته لنجلها الصغير اخلاقه معها ومع عماته وخالاته، "كيف كان يأتيها في كل يوم صباحا ويقبل يديها"، وتحكي: "كان دائما يسألني هل تريدين شيئا يا أمي فأترضى عليه".
وأثناء حديثنا مع والدته جاء والده قادمًا من المستشفى، شخص بدت ملامح الصبر والثبات على محياه ، مقاطعا حديث زوجه "احنا أولادنا رجال وبنربيهم ليكونوا شهداء"، هكذا استقبلنا قبل أن نبادره السؤال عن نجله الشهيد.
وقبل أن نهم بمغادرة المنزل، اصطحبنا والد الشهيد وقال : "أوصلوا رسالتنا للشعب لسنا نادمين على قطعة من أجسادنا قدمناها لله وللوطن، وسنفعل أكثر حتى يخرج اليهود من أرضنا".