لم تمهل رصاصات مستوطن حاقد الشاب محمّد ليكمل حلمه بأن يدخل بوّابة الجامعة مع زملائه، لم تمهله أن يحقق الحلم الّذي سعى لأجله، فطَلبه الجامعيّ لم يكتمل وشهادته لم تُصَدّق، إذ ارتقى شهيدًا وبقي حلمه طوقًا في أعناق رفاقه، يكملون الدّرب عنه ولأجله.
"ماذا نفعل سوى أن نرصّ الحروف لأجله؟ ماذا نفعل غير كتابة هذه الحروف الّتي لن تفيَه حقّه لكنّها على الأقلّ ستذكّر الجميع بشاب اغْتيل حلمه بلمح البصر، ستذكّر العالم بهذا الكمّ من القهر في مدينتنا"، تتساءل المعلمة المقدسية مروة السيوري، مبرقة برسالة إلى طالبها محمد وهي تحكي للرسالة بصوت يملؤه الحزن، إذ لا تستطيع إلا أن تكتب لمحمد.
فهي تعتقد أنه ربّما تتسلّل هذه الكلمات والرّسائل الّتي نرسلها إلى روح محمّد، في مسام التّراب وتهمس في أذنيه: "والله، إننا نحبّك، وما نسيناك يومًا" كما تحكي.
"بين أخواته الأربع يتراقص فرحًا، فغدًا أوّل يوم جامعي له، يقرر أن يستيقظ من الخامسة فجرًا، لأن الطريق إلى جامعة بير زيت شاقّة وطويلة، فيكفيه حاجز قلنديا وطريقه اللعينة، ففرحة بوّابة الجامعة تحول بينه وبين النوم مبكرًا، فكيف سيستيقظ في الخامسة فجرًا ؟!"، بهذه الكلمات بدأت السيوري رسالتها إلى طالبها محمد في أول يوم جامعي له.
محمد الطالب المقدسي، العفويّ الفكاهيّ، الذي علمت السيوري أنه أحبّ الحياة كغيره من طُلّاب مرحلة الثانوية العامة، لم يكن من الطلاب المتفوقين، لكنه كان صاحب إرادة وتحد كبيرين، فقد هدِفَ محمد إلى النّجاح في امتحاناته للوصول إلى المرحلة الجامعيّة، واجتهد كثيرًا للوصول إلى بوابة الجامعة.
ترسم السيوري صورة في ذهنها لمحمد وهو يشق طريقه من باب بيته حتى قاعة محاضرته الأولى حين ينادي أستاذه في الجامعة اسمه.
تكوي أمّ محمّد قميصه الأبيض وبنطاله الأسود، بينما يرشّ ما استطاع من عطر، ويحمل حقيبة صغيرة بها دفتر ملاحظات وأقلام.
ثم يقبّل جبين أمه ويد أبيه، وبعد السادسة بدقائق يغادر بيته في حيّ وادي قدّوم، غامزًا أمّه طالبًا منها أن ترتّب غرفته... "رتبيها، ولن تكون المرة الأخيرة".
"سيمضي الطريق من وادي قدّوم إلى رأس العمود بالقرب من مدرسته الثانوية" تبدأ السيوري بتخيل كيف ستكون انفعالات محمد حين يمر بمدرسته التي قضى فيها مرحلة الثانوية، كيف سيلوح لذكرياته فيها.
تسمع صوته وهو يضحك بصخب على كلّ مشاكساته، ثم يقطع طريق باب العمود مستقلًا حافلة رام الله، يستفسر في مجمع مواصلات رام الله عن سيارات جامعة بير زيت.
سيقف محمد -كما تتخيله السيوري-على باب الجامعة حاملًا حُلمه، مُشرعًا كفّيه لأربع سنوات مقبلات، سنوات من الفرح والحب والنجاح، يضيع بين بنايات الجامعة، يصير نكتة الطلاب كغيره من "سنافر" الجامعة الجدد.
تتوقع أنه سيصل قبل وقت محاضرته، كي يجلس في المقاعد الأولى حذرًا متوترًا.
يقطع توتر محمد اتصال من أخيه الأسير الذي يقبع في سجون الاحتلال، يوصل إليه أشواقه وأمنياته له بالنجاح والتوفيق في حياته الجامعية، وفق السيناريو الذي رسمته معلمته في مخيلتها.
"محمد راح"
حين يتأخر المحاضر، سيتجمّع الطلاب، يحتارون بما يفعلونه، يسخر منهم طلبة السنوات الأعلى، يأتي المحاضر، ثم يبدأ بمناداة أسماء الطلبة، حتى يصل إلى اسم "محمد".
يفاجأ الجميع بأن لا أحد يرد بنعم أو بلا أو حاضر أو غائب، يظن بعض الطلبة أن محمدًا لا ينتبه لاسمه، و"وشوشة" ملأت القاعة من طلاب المراحل الأعلى بأنه لن يفهم بعد نظام الجامعة.
سيعيد أستاذه الاسم مرارًا ليحسم الأمر بعد ذلك صدى صوت والدة محمد حين تقول: "محمد راح"، يكرر المحاضر والطلبة ولا صوت غير صوت رصاصة خارجة من مستوطنة "معاليه هزيتيم": "محمد لن يحضر إلى الجامعة"، فيفقه المحاضر والطلبة كلام أمه "محمد راح...محمد استشهد".
فالشهيد محمّد محمود شرف، شابّ في مقتبل العمر، حصل قبل شهرين على نتيجته في الثّانويّة العامّة من مدرسته "راس العمود الشّاملة للبنين" في القدس.
لم يمهل رصاص الاحتلال محمدًا أنْ يُكمل طلب الدّراسة الجامعيّة، إذ كان من المفترض أن ينهي الإجراءات الخاصّة بتسجيله الجامعيّ بعد يوم من استشهاده.
أراد محمد أن يختار بذلك مستقبلًا أراده لنفسه وعمل لأجله في سنة الثّانويّة، تحكي السيوري ل"الرسالة": "كان محمد يتغنّى بين زملائه ومعلّميه أنّه سيتخطّى عقبة الامتحانات وسيجتاز الفترة بكامل عزمه ليهديَ نجاحه إلى والديه وأخيه الأسير".
ومحمّد ابن لعائلة مقدسيّة مكوّنة من أمّ وأبّ وأربع أخوات وأخ واحد أسير، لتصير العائلة عائلة شهيد وأسير، تعيش في وادي قدّوم - رأس العمود، تبعد مسافة دقائق بسيطة من سور المدينة المقدّسة، فهو ابنها الّذي عاش بين أركانها منتميًا لها.
في سنته الأخيرة عمل على الحصول على الشّهادة المدرسيّة الأخيرة (التّوجيهي) بالتّزامن مع مساندته المستمرّة لوالده في العمل في ظلّ غياب أخيه الأسير.
تتذكر السيوري كيف كان محمد اجتماعيّا محبوبًا بين زملائه، عُرِفَ بينهم بطيبة قلبه وحنانه، إذ كان من أكثر الطّلاب بعدًا عن المشاكل ومتّجها إلى حلّها بطريقة وديّة.
تقول السيوري: "شارك زملاءه في نشاطات المدرسة آخرها كان حفل التّخرّج المدرسيّ فرِحًا بما أنجزه فخورًا بذاته أمام والديه اللذين حضرا حفله بفرح غامر".
وتختم "بدري كتير يا معلمتي، لسا طلب الجامعة ما تكمل، كنت تحكيلي بدري كتير على حصة الساعة سبعة الصبح.. مين اللي هلأ لازم يحكي بدري...مين؟!".