تشهد مخيمات الضفة الغربية بين الفترة والأخرى حالة من التوتر والإرباك في أعقاب الحملات الأمنية التي تنفذها أجهزة السلطة لاعتقال من تصفهم "مطلوبين"، فيما يرى مراقبون أن ما يجري هو محاولة فرض سيطرة على المخيمات ضمن صراع التيارات الفتحاوية.
ولا يكاد يمر أسبوع في الضفة دون نشوب أحداث مؤسفة تنم عن استشراء حالة الفوضى والفلتان الأمني هناك، وفي كل مرة تجري فيها مثل هذه الأحداث المؤسفة، تتكشف الوقائع بأن من ورائها هي الأجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح وتشكيلاتها العسكرية المختلفة.
ولعل آخر هذه الأحداث، تجددت -السبت الماضي- حيث شهد مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين شرق نابلس، توتراً إثر وقوع مواجهات بين مجموعة مسلحة وأفراد من أجهزة السلطة التي اقتحمته، وأطلقت خلالها قنابل الدخان والغاز على شبان محتجين على عملية الاقتحام للمخيم، وتمركزت على مدخل المخيم، فيما ألقى الشبان الحجارة عليهم.
عجز سياسي
ويرى اللواء المتقاعد يوسف الشرقاوي، أن الأحداث التي تجري في بلاطة وجرت في غيرها من المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة " تسيء للسلطة التي من المفترض أنها ترزح تحت الاحتلال"، معرباً عن استهجانه من هدف "متخذي القرار بذلك ومما يدور في رؤوسهم"، وفي ذلك إشارة واضحة لـ"قيادة السلطة".
وأوضح الشرقاوي في حديثه لـ"الرسالة نت" أن ما يجري من أحداث واشتباكات متكررة في الضفة "يعبر عن انفلات أمني بين أجهزة السلطة وبعض التشكيلات الفتحاوية"، مضيفاً بمعنى آخر "أن الاشتباكات تحدث داخل الحزب الحاكم".
وأرجع السبب في تنامي مثل هذه الأحداث وارتفاع وتيرتها في الآونة الأخيرة " إلى سكوت ولي أمر الحزب الواحد وعجزه السياسي"، ويقصد بذلك رئيس السلطة والقائد العام لحركة فتح محمود عباس.
وأكد الشرقاوي أن استمرار أحداث الفوضى والفلتان الأمني في الضفة الغربية " شيء خطير وينذر في المستقبل بضرب السلم الأهلي"، لافتاً إلى أن ذلك دليل على أن استقرار السلم الأهلي ليس في أولويات السلطة وأن المواطن الفلسطيني أصبح خارج المعادلة.
السلطة تتستر
وتتستر أجهزة السلطة وراء أسباب وأهداف مختلفة منها "محاربة الفوضى والفلتان الأمني" لتبرير حملاتها الأمنية في مدن ومخيمات الضفة الغربية، في حين أن هناك أسباب خفية تقف وراء هذه الحملات، أهمها تعود إلى الخلافات الداخلية الفتحاوية وحالة التحزب والتخندق بين تياري رئيس السلطة محمود عباس والقيادي المفصول من الحركة محمد دحلان.
ويقلل الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم، من جدوى الحملات الأمنية التي تعلن عنها أجهزة السلطة من حين لآخر، مبيناً أن أجهزة السلطة دائماً ما تصنع جواً وهمياً بتحقيق الأمن، غير أن الواقع على الأرض يشير إلى تدهور الحالة الأمنية في الضفة بفعل تزايد عدد المسلحين والأسلحة.
وذكر قاسم لـ"الرسالة نت" أن من أوجد الفلتان الأمني في الضفة هي "سلطة فتح" التي جعلت منه ظاهرة لمعاقبة المعارضين والمنتقدين والمقاومين دون أن يكون لها دور مباشر ورسمي، مؤكداً أن "المنفلتين" كانوا يعتدون على المواطنين بأمر من السلطة وتحت نظرها.
واعتبر أن كل ادعاءات السلطة بالبحث والتحري والملاحقة للجناة وإنزال العقاب بهم ما هو إلا محض كذب وتدليس لأنها هي التي كانت توجههم، مستدلاً على ذلك بأن "كل قادة الفلتان أصحاب نفوذ عند السلطة"، وفق قوله.
استخدامهم ضد خصومهم
من ناحيته، ذكر المحلل السياسي معاوية المصري، أن معظم أحداث الفوضى والفلتان الأمني التي تجري هي بين مجموعات من حركة فتح والأجهزة الأمنية وهي في إطار الفصيل الواحد، مستدلاً على ذلك بأن الوحيدين الذين يملكون السلاح في الضفة هم أبناء الأجهزة الأمنية وجميعهم ينتمون لحركة فتح.
وكمن سبقه، لم يستبعد المصري في حديث لـ"الرسالة نت" أن تكون قيادة السلطة تتستر على محدثي الفوضى والفلتان الأمني، مبيناً أن تلك القيادات لا تستطيع أن تردع المنفلتين لأنهم يستخدموهم في أحيان كثيرة أثناء معاركهم الداخلية وفي مجابهة خصومهم السياسيين.
يجدر الإشارة إلى أنه درجت العادة على توالى بيانات الإدانة والشجب والاستنكار من فصائل منظمة التحرير وبعض المؤسسات والشخصيات التي تدعي الاستقلالية لمجرد "حدث فردي" في قطاع غزة، بينما يصمت هؤلاء على جرائم وطنية كبيرة وأحداث كثيرة من الفوضى الفلتان الأمني في الضفة الغربية.