يجيد رئيس السلطة محمود عباس استثمار الأحداث لصالحه وفق منطق ما يعرف بــ"ركوب الموجة"، وفي هذا السياق أوعز بإيقاف الاتصالات مع الاحتلال خلال أحداث الأقصى الأخيرة، بيد أنه لا يمكنه الاستمرار بذلك طويلاً، لذا يسعى للتراجع عن ذلك مع حفظ ماء وجهه السياسي عبر اشتراط عودة الأوضاع لما كانت عليه عام 2000 وفق مصادر مقربة منه.
وبحسب مصادر مطلعة في السلطة، فإن من ضمن شروط السلطة لاستئناف الاتصالات مع الاحتلال-رغم تشكيك البعض بتوقفها أصلاً- أن تكون المناطق المصنفة "أ" حسب اتفاقية اوسلو تحت سيادة السلطة بشكل كامل، وأن تكون مراكز السلطة لها حماية قانونية ودولية، ووقف تدخل الاحتلال في هذه المناطق، وكذلك ضمان حرية تنقل المواطن الفلسطيني دون قيود أو شروط، بالإضافة إلى الالتزام بحق السلطة في السيطرة على المعابر.
تناقض السلطة
وحول ما يتردد في وسائل الاعلام الإسرائيلية عن استمرار التنسيق الأمني بشكل غير معلن مع السلطة الفلسطينية التي أعلنت عن وقفه، أكد المتحدث باسم الأجهزة الأمنية اللواء عدنان الضميري في حديث لوكالة "معا" الإخبارية، أن السلطة وأجهزتها التنفيذية ملتزمة حتى الآن بقرار القيادة المتمثل بوقف كافة أشكال الاتصال مع "إسرائيل".
ولفت إلى أن هناك تنسيقا يتم فقط في موضوع القضايا والحالات الانسانية الملحة مثل المرضى، لكن ما تحدث به الضميري يتناقض مع ما حدث قبل أيام حينما أعادت الشرطة الفلسطينية في الخليل 4 مستوطنين تسللوا إلى المدينة، وذلك وفق ما أوردته صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية، التي قالت أنهم دخلوا بسياراتهم إلى حي رأس الجورة بمدينة الخليل، واعترضهم عناصر من أجهزة الشرطة التابعة للسلطة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الشرطة الفلسطينية اجرت اتصالاتها مع مكتب الارتباط "الإسرائيلي"، وفق المعتاد في هذه الحالات وأعادتهم إلى الاحتلال الاسرائيلي، وفتحت الجهات "الإسرائيلية" المختصة تحقيقاً بالحادث.
ويستبعد مختصون في الشأن السياسي، أن يلبي الاحتلال مطالب رئيس السلطة، موضحين أنه استغل أحداث القدس لتجميد التنسيق ليسجل موقفا لتزيد شعبيته ليس إلا.
وعن مدى جدية رئيس السلطة في مطالبه لاستئناف التنسيق الأمني، يأمل عبد الستار قاسم المختص في الشأن السياسي، أن يثبت "عباس" على مطالبه رغم أن التنسيق في كل حالاته مرفوض وطنياً، مشككاً في امتلاك "عباس" أوراق قوة تجعله يحصل على مطالبه من الاحتلال الاسرائيلي، مبينا أنه يبحث دوما عن نقاط الضعف ليستغل تعاطف الدول الأخرى.
وبين قاسم "للرسالة نت" أن "إسرائيل" غير مستعدة للتعامل مع عباس حتى بدون شروط، مضيفاً أن الرئيس حينما أعلن وقف التنسيق أراد اللحاق بركب صمود المقدسيين عند مواجهتهم مع الاحتلال.
ومنذ قيام السلطة الفلسطينية، تعتقد أن "إسرائيل" بحاجتها من خلال التنسيق الأمني، لكن الأخيرة تدرك أن انهيار السلطة يكون بوقفه، وهنا يؤكد قاسم ما ورد ذكره، وأن مطالب عباس تأتي بنية عودته لاستئناف التنسيق الأمني.
بلا أوراق قوة
وفي ذات السياق، يقول المحلل السياسي تيسير محيسن:" عباس لا يمتلك أوراق قوة، لذا رفع سقف مطالبه، وهو يدرك أنه سيتنازل لتلبية جزء منها"، متابعاً: "حالة من الاستهتار لدى حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجاه تحقيق مطالب أبو مازن".
وبحسب متابعة محيسن، فإنه على ما يبدو ما دفع عباس لوضع الشروط هي زيارة ملك الأردن إلى رام الله، فـــ"كانت محاولة استقواء من قبل الرئيس تجاه الحكومة الإسرائيلية خاصة وأنه في موقف حرج".
ويتفق محيسن مع قاسم، بأن حكومة نتنياهو لن تستجيب لشروط عباس، بل وستزيد الضغط عليه أكثر مما هو قائم، مؤكدا في ذات الوقت على أن التنسيق الأمني مصلحة متبادلة بين الاحتلال والاجهزة الامنية في الضفة.
وعن استغلال "عباس" لأحداث القدس واتخاذه لقرار وقف التنسيق حينها، يشير محيسن إلى أن الرئيس استغل ما جرى لتوظيف الجهود التي حققها المقدسيين، وأدرك أنه في حال عدم تماسكه مع صمودهم سيخسر لذا أعلن تجميد التنسيق لتعزيز صمود اهالي القدس ويسجل لنفسه موقف أمام شعبه.
وتابع:" نجح "عباس" إلى حد ما في ترويج البعض له بأنه كشّر عن أنيابه في التعامل مع الاحتلال، وذلك من أجل استثمار جهود المقدسيين لتصب في زيادة شعبيته تجاه أهم قضية وهي القدس".
ونجح أهالي القدس في كسر إرادة الاحتلال من خلال إجباره على إزالة البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية من محيط المسجد الأقصى المبارك، وذلك رفضهم لهذه الإجراءات، وتصديهم لها على مدار أسبوعين.