شهد عهد السلطة الفلسطينية على مدار ثلاثة وعشرين عاماً توجيه ضربة لحالة النضال الوطني الفلسطيني، بدأت بإجهاض انتفاضة الحجارة التي انطلقت عام 1987، واستمرت لسنوات أرهقت خلالها جيش الاحتلال وحكومته، وشكلت حالة من المقاومة الشعبية الجماهيرية، وكان تأثيرها قوي جداً على مختلف المستويات والمحافل الدولية.
وعقب الانتفاضة نجح الاحتلال من خلال السلطة أن يدخل حالة من الانقسام العميق الى الوضع الفلسطيني بعدما أدرك أنه بالسلطة فقط يمكن أن يتشتت الفلسطينيون عن قضيتهم المركزية والهائهم بوهم بناء الدولة تحت سيطرة سلطات الاحتلال.
ولأن القوة تنبع من فوهة البندقية أدرك الفلسطينيون سريعاً ذلك، حينما انتفضوا في عام 2000، في انتفاضة اتسمت بالعمل المسلح والجماهيري معاً وشكلت حالة من الرعب للاحتلال، قبل أن يتم توجيه ضربات قوية لها في غزة والضفة ومن ثم التحايل عليها بالانتخابات والدخول في دوامة السلطة من جديد، وكان الهدف هنا ضم حماس لمشروع السلطة والتفاوض وتجريدها من سلاحها كما جرى مع فتح سابقاً.
فقد صب الاحتلال كل جهوده خلال العقدين الماضيين في وضع الفلسطينيين في دوامة السلطة وإشغالهم بأزماتهم الداخلية.
وتكمن الضربة الكبيرة التي وجهها الاحتلال من خلال السلطة للفلسطينيين في خلق صراع بين مشروعين وبرنامجين لإنجاز الحقوق الوطنية، ما بين مشروع يعتمد المفاوضات والطرق السلمية وآخر يتبنى المقاومة وخاصة المسلحة.
أكثر من عقدين مرت على المشروع الأول، وعدة عقود على الثاني الذي ازداد قوة وعنفواناً خلال العقد الأخير، حيث خاض خلالها المشروعان تجارب قاسية ما بين جولات المفاوضات وجولات الحروب والمقاومة، ما شكل تجربة يمكن قراءتها والبناء عليها خاصة بعد الأحداث التي جرت في القدس المحتلة والتي تمكنت من إجبار الاحتلال على التراجع عن قراراته وتحقيق انتصار حقيقي سيكون له ما بعده على صعيد الصراع وفي القدس تحديداً.
الهبة الشعبية التي جرت في القدس أعادت الزخم للمقاومة الشعبية الجماهيرية خاصة أن القدس خارج سيطرة السلطة الفلسطينية وتحت سطوة قوات الاحتلال، بمعنى أنها خارج نطاق أوسلو، حيث اتضح أن المشاهد التي خرجت من القدس هي الحالة الأمثل للوضع الفلسطيني كشعب تحت الاحتلال.
هذه الحالة يمكن البناء عليها فقد جاءت لتعيد البوصلة للوضع الفلسطيني الذي يعيش حالة من التيه، وهناك ستة أسباب تجعل من وضع ما قبل أوسلو هو الأنسب للفلسطينيين:
أولاً: المقاومة الشعبية بزخمها الحقيقي كما جرى في القدس يمكنها أن تحقق مكاسب وانجازات حقيقية وبثمن أقل من المقاومة المسلحة على أهميتها وقوة الردع التي تحققها.
ثانياً: تشكل حالة استنزاف للاحتلال كونه يضطر أن يجيّر عددا كبيرا من قواته وجيشه لملاحقة وصد الجماهير، وتجعله في حالة توتر وتحشيد عسكري مستمر.
ثالثاً: يمكنها أن توحد الشارع الفلسطيني على القضية المركزية وهي مجابهة الاحتلال، والخروج من أزمة الانقسامات الداخلية والتغاضي عن الخلافات الفصائلية وغيرها وهي حالة برزت بقوة في محيط الأقصى خلال أسبوعين من الحشد والرباط المستمر من جميع الأطياف الفلسطينية.
رابعاً: حالة اللاسلطة تعفي الفلسطينيين من أي تبعات سياسية او اقتصادية او مالية وتجبر الاحتلال على تحمل تكاليف احتلاله، فقد خرج المقدسيون للدفاع عن الأقصى دون أن يخشى أحدهم أن يقطع راتبه أو يفصل من وظيفته أو يمنع من السفر وتغلق عليه المعابر كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية.
خامساً: المقاومة الشعبية الحقيقية يمكنها أن تجير الرأي العام الدولي وتحرج المحيط العربي كما جرى خلال أحداث الأقصى، خاصة أن القدس تبقى صاعق التفجير ولا يمكن تجاهلها.
سادساً: تضرب محاولات الاحتلال المستمرة بوسم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب كما حاولت مراراً خاصة أنها تجابه هنا جماهير وليس جهة معينة وبالتالي لا يمكنها ان توصف الشعب بأكمله بالإرهاب.