قائمة الموقع

غزة و(إسرائيل): حسم الصراع أم إدارته

2017-07-29T12:34:25+03:00
مواجهات على الحدود الشرقية لغزة (صورة أرشيفية)
​د.صالح النعامي

من ناحية نظرية، فإن (إسرائيل) دائما تسعى إلى حسم الصراعات مع أعدائها وليس إدارتها، على اعتبار أن إدارة الصراع تسمح ببقائه مما يفتح المجال أمام إمكانية تفجر مواجهات في المستقبل تترافق باستنزاف (إسرائيل) وتسمح بتهديد عمقها. ناهيك عن أن عدم حسم الصراع في مواجهة أي عدو يشكل مصدر تهديد يعني فتح المجال أمام إمكانية استفادة هذا العدو من تحولات إقليمية أو دولية أو ذاتية قد تحدث مستقبلًا تحسنًا من مكانته في الصراع.

إذا كانت الأمور على هذا النحو، فهل الخيارات المتاحة أمام (إسرائيل)، في كل ما يتعلق بقطاع غزة، تسمح بحسم الصراع أم تفضي فقط إلى إدارته؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتسنى فقط بعد التعرف على مصالح (إسرائيل) في قطاع غزة، على اعتبار أن طابع هذه المصالح هو الذي يحدد خيار حسم الصراع أو خيار إدارته.

من هنا، فإنه من الأهمية بمكان التعرف أولًا على المصالح الإستراتيجية لـ(إسرائيل) في قطاع غزة، ويمكننا أن نشير إلى أربع مصالح رئيسة، وهي:

أولًا: عدم التسليم بتحول القطاع إلى مصدر تهديد للعمق المدني والعسكري الإسرائيلي.

ثانيًا: إحباط الظروف والعوامل التي تمكن المقاومة من تعزيز وتعاظم قدراتها العسكرية.

ثالثًا: تجنب أي سيناريو يمكن أن يفضي إلى إلزام (إسرائيل) بالعودة إلى تولي المسؤولية عن قطاع غزة، بما يترافق مع ذلك من استحقاقات مادية وسياسية ومخاطر أمنية كبيرة.

رابعًا: تعميق حالة الانفصال السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة أو على الأقل الحفاظ على المستوى الحالي من الانفصال وعدم السماح بعودة الوحدة السياسية ومحاولة تجنب السلوك الذي يمكن أن يفضي إلى إنهاء حالة الانقسام الداخلي. فحسب إستراتيجية اليمين الحاكم في تل أبيب، فإن الحفاظ على الوحدة السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة ضمن السلطة الفلسطينية يقلص من قدرة (إسرائيل) على الاستفراد بالضفة الغربية وحسم مصيرها.

عند الإمعان في المصالح الأربعة آنفة الذكر، فأنه يمكن القول إن تحقيقها، في الوقت الحالي، يلزم (إسرائيل) فقط بتبني إستراتيجية إدارة الصراع لا حسمه.

فلأول وهلة يبدو أن عدم السماح بأن يتحول القطاع إلى مصدر تهديد للعمق الإسرائيلي وضمان عدم تعاظم قدرات المقاومة يفرض القضاء على المقاومة من خلال حسم المواجهة معها بشكل مطلق، لكن عند إمعان النظر في بقية المصالح يتبين أن تحقيق المصلحتين الثالثة والرابعة يلزم (إسرائيل) في الوقت الحالي بتبني إستراتيجية إدارة الصراع.

فحسم الصراع ضد المقاومة يعني منذ البداية القيام بمناورة برية واسعة وعميقة تفضي إلى احتلال قطاع غزة أو مساحات واسعة منه. ومن أجل تجنب التورط في القطاع وتحمل المسؤوليات السياسية والإنسانية والأمنية عنه، فإنه يتوجب أن يتوفر طرف عربي، أو فلسطيني، أو دولي قادر ومعني بتسلم مقاليد الأمور في القطاع.

وفي الوقت الحالي لا يوجد أي طرف فلسطيني (سلطة أبو مازن، دحلان) أو طرف عربي (مصر) أو طرف دولي معني بأن يتسلم قطاع غزة، لأن هذا الطرف سيشترط تسلم قطاع غزة في إطار تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الصهيوني، سواء كانت ثنائية أو إقليمية. وفي المقابل، فإنه لا خلاف على أن مواقف حكومة اليمين المتطرف التي تتولى مقاليد الأمور في تل أبيب من التسوية لا تسمح بالتوصل لمثل هذه التسوية، حيث إنها ترفض أي صيغة تستثني تواصل السيطرة الصهيونية المباشرة على الضفة الغربية.

إلى جانب ذلك، فإن أي طرف عربي أو فلسطيني أو دولي سيتولى مقاليد الأمور سيشترط أن يتم ذلك ضمن الحفاظ على الوحدة السياسية للضفة والقطاع، وهذا ما يتناقض مع إستراتيجية اليمين الحاكم في تل أبيب، حيث إن حكومة نتنياهو تبرر رفضها الوفاء بمتطلبات التسوية بالقول إن قيادة السلطة الفلسطينية لا تمثل الفلسطينيين في قطاع غزة، وبالتالي لا تصلح هذه القيادة لأن تكون شريكًا لـ(إسرائيل) في المفاوضات.

من هنا، فإنه يتبين أن تحقيق المصالح الأربعة يفرض على (إسرائيل) في الوقت الحالي تبني إستراتيجية إدارة الصراع لا حسمه، بكلمات أخرى فإنه ليس من مصلحة (إسرائيل) في الوقت الحالي أن يسهم الجهد الحربي الذي يمكن أن يستخدم ضد المقاومة إلى إسقاط حكم حركة حماس في القطاع.

اخبار ذات صلة