يبتلع غول الحصار "الإسرائيلي" الممتد على قطاع غزة للعام الـ 11 على التوالي، كل ما يبعث على السعادة في القطاع المتربع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط المتنفس الوحيد لأهالي غزة خلال فصل الصيف، فثمة من يقصده للسباحة وآخرون للصيد وغيرهم للجلوس ومشاهدة الغروب.
ومع حلول الصيف حولت أزمة الكهرباء شاطئ البحر إلى مستنقع كبير من مياه الصرف الصحي بعد عجز البلديات عن تشغيل محطات التكرير والتصريف ما جعل البحر الخيار الوحيد للتخلص من المياه العادمة حتى لا تملأ الشوارع.
حالة من الضجر أثقلت على قلوب الغزيين بعد أن وجدوا المياه العادمة تختلط في معظم المناطق التي يقصدونها للاستجمام وتجبرهم على عدم النزول إلى المياه أو الاقتراب منها لارتفاع نسبة التلوث فيها بشكلٍ كبير ومضر في الجسم.
فبعد أن اعتاد الأربعيني عبد الحليم شاهين الولوج في شاطئ السودانية منذ ما يزيد عن الثلاثين عاماً، وجد نفسه هذا العام مرغماً على هجره وعدم اتخاذه مكاناً لممارسة هواياته المفضلة والتي حصرها في الصيد والسباحة.
يقول شاهين "للرسالة نت": ما إن بدأ الصيف بالدخول وقصدنا البحر للترفيه عن أنفسنا، وجدنا قناة الصرف الصحي لا تنقطع يوماً عن ضخ سمومها في المكان الذي أعتبره الأجمل في مديتنا المحاصرة، لأبدأ بمشوار البحث عن منطقة تخلو من –المجاري-، لنجدها أقصى الشمال ولا نستطيع الوصول إليها يومياً لبعدها عن المنطقة التي أقطنها.
ويضيف شاهين" حتى أنني أرغمت نفسي على النزول والصيد رغم وجود المياه العادمة لأصطدم بخلو المنطقة من الأسماك الشاطئية التي هاجرت هي أيضاً من شدة تلوثها، ما أجبرني فقط على الجلوس والنظر بحسرة لما حدث في المكان".
ونفذت سلطة جودة البيئة وبالتعاون مع وزارة الصحة وبمساعدة الشرطة البحرية الدورة الأولى للعام الجاري من برنامج مراقبة جودة مياه الشاطئ الصالحة للاستحمام على طول ساحل بحر قطاع غزة، وذلك وفقاً لأحكام وقرار المواصفة الفلسطينية لمياه شواطئ الاستحمام، لتؤكد السلطة بأن ما يزيد عن 60% من إجمالي مساحة الشاطئ والتي تتوسط المدينة ملوثة وغير صالحة للسباحة.
ولم تثقل المياه الملوثة وحدها على المواطنين الذين امتنعوا عن السباحة تجنباً لإصابتهم بالأمراض، حيث أن الرائحة الكريهة تنتشر بمعظم الشاطئ، ما جعل الشاطئ خالياً من الناس في المناطق التي فيها مصارف الصرف الصحي.
ويوضح مصعب عزيز صاحب استراحة بشمال غزة، بأنه يواجه أزمة كبيرة تمثلت في هجرة زبائنه بعد أن أجبرتهم رائحة مياه الصرف الصحي على الذهاب إلى المناطق النظيفة، ما جعله يمر بظروف اقتصادية صعبة قد تجبره على إغلاق مصدر رزقه.
ويؤكد "للرسالة نت" بأن استمرار هذه الحالة سيجعل من الشاطئ الذي كان يصنف من ضمن أجمل المناطق في ساحل بحر غزة مكاناً مهجورا، متمنياً ان يتم انقاذه قبل تفاقم هذه الكارثة بشكلٍ كبير.
وأصدر مركز الميزان لحقوق الإنسان تقريراً موجزاً حول كارثة تلوث مياه البحر بمياه الصرف الصحي في قطاع غزة، معتبراً أنّ ما يحدث خطر على حياة الإنسان، وأن اغلاق البحر وتحويله إلى مستنقع كبير من مياه الصرف الصحي كارثة بيئية بكل المقاييس.
وأفاد التقرير الصادر يوم الأحد الماضي أن ساحل قطاع غزة الذي يمتد بطول 42 كيلو متر تقريباً، يتعرض لأنواع كثيرة من التلوث والممارسات الضارة التي تؤثر بشكل سلبي على البيئة البحرية، وعلى مناطق الاستجمام والثروة السمكية، وغير ذلك من أوجه الحياة العامة.
وأوضح بأن معظم بلديات القطاع تضخّ مياه الصرف الصحي بمياه البحر، نظراً لقصور محطات معالجة مياه الصرف الصحي الموجودة بالقطاع في معالجة المياه العادمة بالشكل المطلوب، بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود ومنع دخول المضخات وقطع الغيار نتيجة للحصار، لذلك اختصرت محطات معالجة مياه الصرف الصحي دورات المعالجة ما أدى إلى زيادة مستويات التلوّث بمياه الصرف الصحي المعالجة جزئياً أو غير المعالجة والتي يجري تصريفها داخل البحر.
ونوّه التقرير إلى أنّ بلديات القطاع تحتاج إلى ما مقداره (400 ألف لتر) على الأقل من الوقود شهرياً، لتشغيل المضخات في حال انقطاع التيار الكهربائي، وفي حالة زيادة ساعات الانقطاع اليومي للتيار تزيد الحاجة لكميات الوقود، إضافة لعدم توفر قطع غيار لمولدات الكهرباء، وعدم المقدرة على معالجة مياه الصرف الصحي بشكل عام سيؤدي إلى ضخّها للبحر مباشرة.