تحرير الأسير "عروة دوابشة"... قصيدة فلسطينية لم تكتمل!

الأسير عروة دوابشة
الأسير عروة دوابشة

الرسالة نت - ياسمين عنبر

 كانت المعاناة أكبر من عمر ابنها خالد ذي خمسة الأعوام، فلم تستطع حصر المواقف الصعبة أو ذكر أحدها، فكل رحلتها كانت عذابًا، فصغيرها الذي أمسى بين عشية وضحاها بلا أم ولا أب، كان يعتقد أن أمه قد تركته، فيرفض الحديث معها، ويشيح بوجهه عن الكاميرا حتى لا يراها.

بعد مدة كبيرة استطاعت أن تقنع براءته أن الاحتلال هو السبب في هذا التمزق الذي أصاب عرى هذه العائلة بأكملها، حتى أتاها صوته عبر الهاتف يومًا "بحبك يا ماما" فتمنت لو تتوقف اللحظة وألا يأتي صوت بعده حتى لا تختلط الأصوات ببعضها فيتلاشى صدى الكلمة التي لطالما انتظرتها.

التقت "الرسالة" إسلام عابد زوجة الأسير المحرر عروة دوابشة الذي رأى شمس الحرية قبل أيام قلائل، بعد أن أسر 15 شهرًا في سجون الاحتلال، دون أي تهمة سوى جنسيته الفلسطينية.

بحزن بادٍ على وجهها تحكي إسلام "للرسالة" رواية انتظارها التي لم تنتهِ بعد، فعادت إلى بداية المأساة حين أراد زوجها زيارة قريته دوما الواقعة في قضاء نابلس برفقة طفليه، لإصدار هوية فلسطينية لهما خوفًا من أي تعقيدات مستقبلية قد تحرمهما من وطنهما فيما بعد.

وصل دوابشة جسر الكرامة_الملك حسين_ الفاصل بين الأردن والضفة الغربية، وكان يعلم أن زوجته لن يسمح لها بعبور الضفة الغربية كونها تحمل هوية فلسطينية صدرت في غزة، فودعتهم وعادت إلى الأردن حيث كانوا يقيمون.

هناك، طلبت المخابرات الإسرائيلية مقابلة دوابشة، فبقي الطفلان برفقة عمتهما ينتظرانه، فانتهت المقابلة بخروج ضابط المخابرات ليخبرها أنه اعتقل، فأكملت طريقها مع طفليه إلى نابلس كما قالت "للرسالة".       

لجأت العائلة إلى استصدار رقم وطني فلسطيني للطفلين لعلهما يعودان إلى حضن أمهما في الأردن، لكن ذلك زاد الأمر تعقيدًا، فإصدار جواز فلسطيني لهما سيحرمهما من جوازي سفرهما الأردنيين، مما يعيق عودتهما إلى كنف أمهما، فبقيا في نابلس برعاية جديهما، وعادت الأم إلى غزة عند أهلها.

وأصعب ما واجهت عابد كما تحكي لـ "لرسالة"، أنهم اكتشفوا أن مغادرة طفليها الضفة الغربية شبه مستحيلة، لأنهم دخلوا الأراضي الفلسطينية على جواز سفرهما الأردني، ولا يُسمح لهما بالمغادرة دون ولي الأمر، إلا حين يصبح عمرهما فوق خمس سنوات.

تقول "عابد": "عشت وعائلتي حالة قاسية من التشتت، فقد كنت أتوجع كثيرًا حين يرفض ابني الكلام معي، عدا عن معاناة الأسر".

وتضيف: "طوال مدة أسر زوجي وأنا أعد الأيام والليالي، لا أعرف كيف أصف شعوري وقتها، وكنت أستيقظ من النوم أدعو الله أن يجمعني بهم قريبًا، وأكثر ما كان يحزنني أن ابني خالد كلما هاتفته أو رآني على الكاميرا يمرض وتصيبه حرارة شديدة".

طفلهما خالد وأخوه جود الذي حرم من حضن أمه ولم يكن يتجاوز تسعة الشهور وقتها، وقد خطا خطواته الأولى في حياته بدون أمه وأبيه، كانا يخاطبان أعمامهما ب "بابا" وزوجات أعمامهما بـ "ماما" مما يثير حزنًا كبيرًا في نفسها، كما كانا يتكلمان مع صورة أبيهما كثيرًا ويبكيان، "لما ينادوا حد بماما كان ينحرق قلبي" بحسب عابد.

قبل أيام خرج دوابشة، من عتمات الزنازين وانتهت رحلة عذاب لتبدأ رحلة انتظار أخرى، وهي أن يلتم شمله بزوجته، وعن ذلك تقول زوجته: "فعلت المستحيل وحاولت كثيرًا لأجل أن أكون معهم في الضفة وقت الإفراج عنه ولكن لم يكتب لي الفرح بحريته كباقي أهالي الأسرى".

وكانت إسلام متواصلة بالكلام لا تنقطع وهي تروي محطات رحلتهم الصعبة، فأنهت حديثها بتنهيدة وهي تنظر إلى صورة زوجها وطفليها قائلة "بدنا معجزة عشان نرجع مع بعض ويلتم شملنا".